فشل التجربة الليبرالية في مصر الملكية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- وخلال الاحتلال الإنجليزي لمصر كان حرص الاستعمار على التمكين للعلمانية ولليبرالية في مصر، فكان من وسائلها إلغاء العمل بالشريعة الإسلامية إلا في الأحوال الشخصية، وكان إرساء الحكم النيابي ووضع دستور، وفرض قوانين وضعية مستمدة من القوانين الأوروبية، ونشر التعليم العلماني وإضعاف التعليم الديني، وبناء العديد من المدارس على النظام الغربي وإنشاء المدارس التبشيرية (التنصيرية)، والعمل على تغيير مناهج التعليم في المدارس الحكومية والأهلية لإحداث التغيير المطلوب في الناشئة وفي الأجيال القادمة من أبناء المصريين، بما يساعد على تقبل جوانب كثيرة من الفكر العلماني ومن مبادئ الليبرالية بصورة تدريجية.
- وفي ظل الاحتلال الإنجليزي تمكَّن دعاة التغريب بما لهم من نفوذ وبمساندة من المحتل الأجنبي ودعم من المناداة بآرائهم والسعي لنشرها بين الناس من خلال وسائل الإعلام من صحف وجرائد ومجلات ومن خلال أحزاب علمانية. فكانت تلك الفترة أهم فترات الترويج لليبرالية تمهيدًا لفرضها في البلاد.
الحياة النيابية في مصر في تلك الفترة:
بدأت الحياة النيابية الحقيقية في مصر في 22 أكتوبر 1866م بإنشاء (مجلس شورى النواب) في عهد الخديوي إسماعيل الذي يُعَدُّ أول برلمان مصري منتخب، وكان مكونًا من 76 عضوًا، يُنْتَخَبون لمدة ثلاث سنوات، أمَّا رئيس المجلس فكان يقوم الخديوي بتعيينه، وكان للمجلس حق الاطلاع على ميزانية الحكومة ومراقبة بعض المسائل المالية على غرار ما في النظم الأوروبية. وقد اتسعت اختصاصات المجلس مع إقرار اللائحة الأساسية الجديدة للمجلس عام 1879، والتي أقرت المسؤولية الوزارية أمام البرلمان لأول مرة. ومن رحم الثورة العرابية خرج مجلس النواب المصري المنتخب عام 1881م؛ إلا أنه لم يستمر إلا عامًا واحدًا. ثم تحول بعدها النظام البرلماني للأخذ بنظام الغرفتين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) عام 1883.
واستمر العمل بهذا النظام حتى عام 1913 حيث عادت مرة أخرى تجربة نظام الغرفة الواحدة بإنشاء الجمعية التشريعية أول يوليو 1913، وقد عقدت هذه الجمعية التشريعية دور انعقاد واحد، ولم تعقد أي اجتماعات بعد ذلك لتوقف الحياة النيابية في مصر بسبب وقوع الحرب العالمية الأولى.
جاءت النقلة الكبرى للحياة النيابية في مصر بعد ثورة 1919 وإعلان الاستقلال والملكية في مصر في فبراير 1922، ثم كان إعلان دستور 1923 (في 19 أبريل عام 1923)، في ظل تعدد الأحزاب.
وقد أقر دستور 1923 عودة نظام الغرفتين (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) مرة أخرى، ليتم انتخاب أول مجلس نيابي حقيقي في مصر له الحق في سحب الثقة من الحكومة من عام 1924. كان مجلس النواب يتكون من 214 عضوًا، ثم زِيد إلى 232 عضوًا ثم إلى 319 عضوًا، بسبب الزيادة في عدد السكان. أمَّا مجلس الشيوخ فكان يتكون من 120 عضوًا منهم 72 عضوًا بالانتخاب و48 عضوًا بالتعيين، ثم زِيد إلى 147 عضوًا، منهم 88 منتخبًا و72 بالتعيين. وقد عقد المجلسان أول اجتماع لهما في 15 مارس 1924.
وقد تعثر تطبيق دستور 1923 من الناحية العملية، فقد تم حل مجلس النواب أكثر من مرة. ثم تم إلغاء دستور 1923 بصدور دستور 1930 (في 22 أكتوبر 1930) وذلك في عهد وزارة إسماعيل صدقي. ولكن دستور 1930 لم يُعَمِّر طويلًا بسبب الضغط الشعبي، وتمت إعادة العمل بدستور عام 1923 في 19 ديسمبر 1935. وقد تعرضت مجالس النواب التي جاءت من جديد في ظل دستور 1923 للحل أكثر من مرة، حتى تم حل البرلمان لآخر مرة في يناير 1952 عقب حريق القاهرة، وظلت مصر بدون برلمان حتى قيام ثورة يوليو 1952، حيث أعلن مجلس قيادة الثورة في 10 ديسمبر 1952 سقوط دستور 1923، مع العزم على تأليف لجنة لوضع دستور جديد خالٍ من عيوب الدستور الذي تم إلغاؤه.
وقد شهدت تلك الفترة من بدايات القرن العشرين ظهور عدد من الأحزاب الليبرالية، في مقدمتها:
حزب الأمة:
وهو أول حزب ليبرالي في مصر تأسس عام 1907، وضم الحزب مجموعتين رئيستين: مجموعة تتمثل في الأعيان وكبار الملاك، ومجموعة تتمثل في كبار المثقفين. ومن أشهر أعضاء الحزب: لطفي السيد وقاسم أمين وطلعت حرب.
تبنى الحزب وجهة النظر الغربية الفكرية والسياسية، وقد تسبب رضا الإنجليز عن تيار حزب الأمة في سخط أغلب فصائل العمل الوطني على الحزب وزعمائه. وبعد اختفاء الحزب ظهر بعده حزب (الأحرار الدستوريين) وحزب (الوفد)، وهما على نفس النهج الليبرالي.
حزب الأحرار الدستوريين:
تأسس الحزب عام 1922. ويُعَدُّ وريثًا لحزب الأمة حيث ضم الصفوة من المجتمع والمثقفين، مناديًا بمبادئ العلمانية الغربية.
حزب الوفد:
أسسه سعد زغلول ذو الفكر الليبرالي، والذي كان معروفًا بميله لحزب الأمة. أسس سعد زغلول حكومة الوفد تحت الاحتلال الإنجليزي طبقًا للتصور الذي وضعه المحتل للحكم وآليات تنفيذه وقَبِل بها. لم يختلف حزب الوفد عن حزب الأحرار الدستوريين في التوجه الليبرالي، وإنما الاختلاف في الشكل لا المضمون، وفي اختلاف الشخصيات التي يضمها كل حزب.
وقد أظهر حزب الوفد إيمانه بالعلمانية والليبرالية السياسية والحكم الدستوري وصيانة الحريات الفردية. وكان من قيادات حزب الوفد قيادات كانت منضمة إلى حزب الأمة، فقد أصبح محمود سليمان باشا رئيس حزب الأمة رئيسًا للجنة حزب الوفد المركزية، بينما كان محمد محمود باشا ومعه أحمد لطفي السيد وهما من أعضاء حزب الأمة البارزين من المؤسسين لحزب الوفد. وقد تبنى أفكار حزب الوفد في تلك الفترة كُتَّاب ومفكرون لهم مكانتهم الأدبية.
ولكن هذا النظام البرلماني على طريقة الغرب الليبرالية الديمقراطية لم يَخْلُ من مفاسد عانت منها البلاد، منها: