فشل التجربة الليبرالية في مصر الملكية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- أن قوانين الانتخاب المستوردة من الغرب لا تشترط العدالة والأمانة ولا تشترط الكفاءة والخبرة، وإنما تشترط دفع التأمين المالي، والذي قد يعجز عنه الفقراء من أبناء الشعب، فضلًا عن نفقات الدعاية الانتخابية؛ ولهذا فقد كان غالب المرشحين من الأثرياء وكبار الملاك الذين يستطيعون أن ينفقوا على دخول الانتخابات، بل وشراء الأصوات ممن يملك أن يبيع صوته، حتى أصبحت النيابة عن الأمة كالوزارة حرفة محتكرة للأسر الكبيرة ولذوي الجاه والنفوذ، الذين كانوا لا يخلو مجلس من المجالس منهم مهما تكن صبغته، سواء كان الانتخاب مزورًا وهو الغالب أو كان منتخبًا انتخابًا حرًّا نزيهًا وقلما يكون.
- هذا بينما كان غالب الشعب مشغولًا بفقره ومآسيه ومتاعبه في طلب لقمة العيش.
- كان الشعب يعتقد أن المرشح الذي تختاره الحكومة سينجح، فإذا كانت الحكومة وفدية فسينجح الوفديون وحلفاؤهم، وإن كانت الحكومة (سعدية) فسينجح السعديون وحلفاؤهم. كما أن الإنجليز من وراء الستار لهم دورهم في إنجاح حزب أو إسقاطه.
- كما كان الذين يشتركون في الانتخابات في مصر نسبة ضئيلة من مجموع الناخبين، لا تزيد -كما جاء في بعض الإحصاءات- على 12 في المائة.
- وكان الدستور يعطي الحكومة حق إعلان (الأحكام العرفية) في الأحوال الاستثنائية، ولكن هذه الأحوال تحولت إلى الأساس والقاعدة. لذا ظلت البلاد سجينة الحكم العرفي أو العسكري لسنين طويلة، لم تتحرر منه إلا في فترات قليلة في ظل عدم وقوف البرلمانات المنتخبة أمام سيف الأحكام العرفية المصلت على الرقاب. ونظرًا لأن المجالس النيابية أغلب أعضائها من حزب الحكومة فهي توالي الحكومة في الخير والشر، خاصة وأن كثيرًا من نواب المجلس يعلمون أن نجاحهم في الانتخابات إنما هو بقوة الحكومة وتأييدها.
- لم تنتصر هذه البرلمانات لفئات الشعب من الفلاحين والعمال والحرفيين وهم أغلبية الشعب، إذ إن غالب أعضاء البرلمان من أغنياء ومترفين لا يشعرون بآلام المتعبين.
- هذا بينما القصر الملكي غارق مع الحاشية والبطانة في الترف، مشغول بتشجيع التناحر بين الأحزاب ويغذيه ليضرب عند الحاجة الزعامات السياسية والأحزاب بعضها ببعض.
وبالجملة ففشل الحياة النيابية كان من أسبابه:
- عيوب وقصور النظام الليبرالي الديمقراطي.
- انتشار الأمية والجهل لدى فئات كثيرة من الشعب، وعدم نضوج الوعي السياسي لدى المواطنين.
- عدم الثقة بنتائج الانتخابات.
- فساد الأوضاع الاقتصادية التي جعلت أصحاب الثروات هم الذين يملكون الأصوات، وجعلت الكثيرين يبيعون أصواتهم.
* فساد الأحزاب السياسية والتي كانت تحتكر المجالس النيابية وتتنازع على الحكم.
سعد زغلول:
- زعيم سياسي وخطيب مؤثر. وُلِد عام 1857. تعلم في الكُتَّاب ثم في الأزهر. اتصل بجمال الدين الأفغاني ولازمه مدة. عمل مع الشيخ محمد عبده في تحرير جريدة (الوقائع المصرية). شارك في ثورة عرابي. اشتغل بالمحاماة، ثم اخْتِير قاضيًا. تولى وزارة المعارف. طالب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى باستقلال مصر، طبقًا لوعود إنجلترا للمصريين خلال الحرب العالمية، فنفاه الإنجليز إلى جزيرة (مالطة)، ثم إلى جزيرة (سيشل)، فأصبح اسم سعد زغلول رمزًا ارتبط بثورة الشعب في عام 1919م.
- كان سعد زغلول ذا فكر علماني ليبرالي، فبينما كان ينادي بالاستقلال والتحرر من الاحتلال الإنجليزي، كان لا يرى غضاضة في العمل وَفْق أفكار الغرب ونظمه. عُرِف بميله لحزب الأمة، ولكن منصبه الرسمي منعه أن ينضم إليه بصفة رسمية. أسس سعد زغلول حزب الوفد، وتولى رئاسة مجلس الوزراء في مصر الملكية بعد استقلال 1922، وتوفي بالقاهرة عام 1927.
أحمد لطفي السيد:
- من كبار الداعين إلى الليبرالية؛ لم يأخذ بالمنهج التوفيقي السائد الذي سار عليه محمد عبده (منهج التوفيق بين الإسلام وقيم ومبادئ الحضارة الغربية)، وإنما دعا إلى الليبرالية الغربية بكل صراحة، فكان من رواد هذه الدعوة الأوائل. وُلِد عام 1872.
- تخرَّج في مدرسة الحقوق بالقاهرة عام 1889. شارك في تأسيس (حزب الأمة) الليبرالي عام 1908، وتولى تحرير صحيفة الحزب (الجريدة) حتى عام 1922. وساهم في تأسيس حزب (الأحرار الدستوريين) عام 1922. عمل مديرًا لدار الكتب المصرية، ثم مديرًا للجامعة المصرية، ثم وزيرًا للمعارف وللخارجية، ثم عضوًا في مجلس الشيوخ، ثم رئيسًا لمجمع اللغة العربية منذ عام 1945. توفي بالقاهرة عام 1963. أُعْجِب لطفي السيد بالفلسفة اليونانية القديمة وترجم مؤلفات لأرسطو. تتلمذ على أفكاره الليبرالية وأُعْجِب بها طائفة من الشباب واعتبروه أستاذًا لهم، فأطلقوا عليه (أستاذ الجيل).
- عُرِف بعدائه للدعوة إلى الجامعة الإسلامية، داعيًا إلى القومية المصرية تحت شعار (مصر للمصريين)، وكتب في ذلك عدة مقالات بعنوان: (سياسة المنافع لا سياسة العواطف). كما أن له مقالات كتبها في عام 1913 دعا فيها إلى العامية مؤيدًا دعوة بعض المستشرقين كويلكوكس ومولار.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.