فشل تجربة الليبرالية في مصر الملكية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الحياة الاقتصادية في مصر منذ عهد محمد علي:
فلما تولى محمد علي باشا حكم مصر وقضى على نفوذ المماليك عمد إلى أملاكهم فاستخلصها لنفسه، ثم ألغى نظام الالتزام الذي كان معمولًا به في عهد الدولة العثمانية، وفيه كان يُعَجِّل الملتزم من الملاك للحكومة الضريبة السنوية فيدفعها مقدمًا على أن يجبيها هو بعد ذلك من الفلاحين، فنزع محمد علي الأراضي التي كانت تحت أيدي الملتزمين واعتبرها مِلْكًا للحكومة ووزع منفعتها على الفلاحين كأطيان مُؤَجَّرة فصارت علاقة الفلاحين بالحكومة مباشرة، وصارت الحكومة مالكة لجميع الأراضي. وكانت الحكومة تُعْطِي الفلاحين ما يلزم الزراعة من آلات الري والحرث والمواشي، فإذا جاء الحصاد اشترت الحكومة من الفلاح محصوله بالثمن الذي تُحَدِّده طبقًا لنظام الاحتكار.
وقد قرَّر محمد علي نوعًا خاصًّا من الملكية الفردية للأراضي بأن أقطع كثيرًا من أعيان الدولة ورجال الجهادية وبعض كبار الأعيان مساحات شاسعة من الأراضي البور، وقد أعفاها من الضرائب ليستحثهم على إصلاحها، فيزداد العمران وتتسع الرقعة الزراعية، ومنع أصحابها من أن يُؤَجِّروها ليشتغلوا فيها بأنفسهم (للاستزادة راجع: (عصر محمد علي) عبد الرحمن الرافعي).
وقد ظهرت طبقة ملاك الأراضي الزراعية في أواخر القرن التاسع عشر حين أخذت الملكية الزراعية شكلها النهائي في عام 1896، بعد صدور قوانين تُقِرُّ الملكية الزراعية، خصوصًا بعد أن تم توزيع مساحات من الأراضي واسعة على أفراد وأقرباء أسرة محمد علي الحاكمة وحاشيتها، وصار لهؤلاء الملاك حق التصرف واستغلال الأراضي بالبيع والرهن والتوريث. فكانوا هم الركيزة التي قامت عليها طبقة كبار الملاك، والتي امتد نشاطها بعد ذلك إلى مجال التجارة والصناعة والاستثمار بشكل عام.
وقد كانت معظم أموال كبار الملاك في صورة مُدَّخَرات في البنوك الأجنبية، مما ساهم في تنمية المجتمعات الأجنبية خارج البلاد أكثر مما ساهم في تنمية المجتمع المصري.
اقتحم بعض الرأسماليين المصريين مجال الصناعة والتجارة والتي ظل الأجانب يتحكمون فيها لسنوات، حيث كانت غالبية المشروعات الصناعية والتجارية مِلْكًا لرؤوس الأموال الأجنبية، وقد تمكن الرأسماليون المصريون من مزاحمة الأجانب في ذلك من بعد الحرب العالمية الأولى.
ويُعَدُّ عام 1920 عامًا حاسمًا بالنسبة للرأسمالية المصرية بإنشاء (بنك مصر) كأول محاولة ناجحة لرأس مال وطني.
كان نصيب رؤوس الأموال الأجنبية في الشركات السابق تكوينها قبل عام 1933 أكثر من 60 مليون جنيه في مقابل نحو 6 ملايين جنيه لرؤوس الأموال المصرية.
في عام 1929 وضعت الحكومة نظام التعريفات لحماية الصناعات الأهلية، فأخذ نصيب العناصر الوطنية في النشاط الصناعي والتجاري والمالي يتزايد، خاصة بعد إلغاء معاهدة 1936 واتفاقية إلغاء الامتيازات الأجنبية في عام 1937 حيث ارتفعت نسبة رؤوس الأموال المصرية من عام 1934 إلى عام 1939 إلى ما يعادل 47% من مجموع رؤوس الأموال، ثم قفزت في الفترة من 1940 إلى 1945 إلى 66%، ثم في الفترة من 1946 إلى 1948 إلى 84%؛ أي: تراجع رأس المال الأجنبي إلى 16% بين عامي 1946 و1948. (راجع في ذلك: الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر، د. عبد العظيم رمضان، ص 23 - 25) .
وقد ظهرت دعوة إلى الإصلاح الزراعي في فبراير 1944 نادى بها عضو الحزب السعدي (محمد خطاب) الذي قدَّم مشروعًا إلى مجلس الشيوخ لحل مسألة تَرَكُّز الملكيات الزراعية الكبيرة عن طريق تحديد الملكية الزراعية، وقد أقرته لجنة الشؤون الاجتماعية بالمجلس وحددت نصاب تحديد الملكية بمائة فدان. وبعدها بوقت قصير عرض (مريت غالي) أيضًا في كتابه (الإصلاح الزراعي) الدعوة إلى وضع حد لزيادة الملكية وتحديدها.
وقد تكرَّرت تلك الدعوة من وقت لآخر لكنها كانت خالية من الجرأة في التناول وتخطي العقبات التي يضعها كبار الملاك الزراعيين. وفي عام 1949 لاقت الدعوة إلى تحديد الملكية الزراعية وزيادة الضرائب على الأملاك الكبيرة شبه اتفاق، وذلك لحَمْل كبار الملاك الزراعيين على توظيف أموالهم في الصناعة. (راجع المصدر السابق، ص 37) .
وإجمالًا فقد كانت أبرز سمات ومعالم (بالأحرى معايب) الحياة الليبرالية الاقتصادية في فترة مصر الملكية:
- إقرار الربا، والتوسع في إنشاء البنوك الربوية. والغريب استسلام كثير من المسلمين لهذا الأمر لا عن كُرْه منهم، بل راح بعضهم يبحث عن تبريرات وفتاوى شرعية يُضْفِي بها على هذا الاقتصاد الربوي اليهودي العالمي صبغة إسلامية.
- إتاحة الفرص أمام الأسر الكبيرة وأصحاب الأموال والنفوذ لاحتكار المغانم والمكاسب، فالاستيراد والتصدير بأيديهم والمناقصات الكبيرة ترسو عليهم والمشروعات المربحة من حظهم. وقد جعلت هذه الفرص هؤلاء الأثرياء والأغنياء يزدادون غِنًى على حساب العامة والضعفاء والفقراء الذين يزدادون ضعفًا وفقرًا، فلا مجال ولا وزن ولا ذِكْر لتاجر صغير أو حرفي فقير أو فلاح أو عامل.
- اتساع الفوارق بين طبقات المجتمع في التملك وفي وسائل المعيشة، فريق في الترف والذهب والنعيم، وهم قِلَّة، وفريق في قِلَّة من العيش وفي الفقر والحرمان، ليس لهم من ثروات البلاد ما يُذْكَر، وهم الكثرة.
- بروز الملكيات الزراعية الكبيرة فيملك الواحد من الكبراء آلافًا أو عشرات الآلاف من الأفدنة، بل منهم من يمتلك عِزَبًا وقرًى بأسرها. وهؤلاء الإقطاعيون يتوسعون في أملاكهم يومًا بعد يوم بشراء أراضٍ جديدة مملوكة أو مستصلحة من صغار المزارعين والفلاحين.