فشل تجربة الليبرالية في مصر الملكية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- عدم القدرة على تطوير اقتصاد الأمة للتحول إلى مجتمع صناعي متقدم، على أهمية وتقدم الصناعات المختلفة في دول العالم الكبرى. ورغم ظهور بعض الصناعات الجديدة في مصر ونجاح بعضها بجهود وطنية كشركة مصر للغزل والنسيج وأشباهها، لكنها كانت محدودة لا تستطيع أن تُوسِّع نطاقها إلى الدرجة المطلوبة من التقدم والازدهار، فبقيت البلاد كما كانت عليه لآلاف السنين محور نشاطها الرئيسي هو الزراعة لا غير لتبقى البلاد عالة على دول الغرب في الصناعات الثقيلة وفي الأجهزة الكهربائية والآلات الدقيقة وصناعة السيارات وصناعة الأسلحة وغير ذلك من المنتجات الصناعية الحيوية للدولة.
- كما كانت البلاد تعاني من عدم تزايد مساحة الرقعة الزراعية ومن عدم تنمية الإنتاج الحيواني والداجني مقارنةً بالتزايد المستمر في عدد السكان. هذا مع عدم توافر ما ينبغي استخدامه من الوسائل والآلات الزراعية الحديثة في الزراعة. وهو ما جعل المجتمع يبقى في مجمله متسمًا بالتخلف وضعف الإنتاج إلى جانب ما يعانيه من سوء في التوزيع.
الحياة الاجتماعية في مصر في تلك الفترة:
- كانت الملكية الزراعية في مصر قبل عام 1952 هي المحور الأساسي الذي ارتكزت عليه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تصدرت طبقة ملاك الأراضي الزراعية العمل السياسي في تلك الفترة.
- والثابت من الدراسات أن الملكية الزراعية تركزت في يد فئة قليلة من المصريين والأجانب مما كان له آثاره الاجتماعية السيئة والتي ازدادت بمرور الوقت.
ومن أسباب هذا التدهور الاجتماعي:
1- سوء توزيع الدخل بين السكان، فقد تمكَّن كبار الملاك من التحكم في الأجور والتي كانت لا تكاد تتعدى حد الكفاف بحكم ملكيتهم لوسائل الإنتاج والسلطة التي يتمتعون بها. وقد قَبِلَت الغالبية من عمال الزراعة أو المستأجرين كافة الشروط المفروضة عليهم؛ لأنه لم تكن لهم مِهَن بديلة. ولقد كان من المستحيل أن ينتقل هؤلاء إلى مصاف كبار الملاك.
وقد كانت أوضاع صغار المستأجرين والعمال الاجتماعية في تدهور بسبب تفشي الجهل، والتعرض للإصابة بالأمراض الوبائية والطفيلية.
2- استثمار كبار الملاك أموالهم بإيداعها في البنوك التجارية مما زاد تملكهم للأراضي والأموال بحكم وفرة المُدَّخَرات لديهم، ففي عام 1894 كانت نسبة صغار الملاك 77.6%، ثم ارتفعت إلى 90.7% في عام 1914، ثم بلغت في عام 1952 إلى 94.3%. على حين كانت نسبة كبار الملاك ممن يملكون أكثر من خمسين فدانًا إلى مجموع الملاك 1.7% عام 1894 يملكون 42.5% من مساحة الأراضي، ثم تضاءلت النسبة في عدد الملاك إلى 0.4% بلغت نسبة ملكياتهم 34.2%. وفي عام 1947 كان هناك 0.2% من الملاك يملكون أكثر من 29% من مساحة الأراضي الزراعية بينما 99.8% من الملاك يمتلكون 71%. (راجع (الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر)، و(اقتصاديات مصر) تأليف الاقتصادي د. جمال الدين محمد سعيد والذي ألفه في عام 1950 - القاهرة -، ط. الثانية 1964) .
3- كانت معظم أموال كبار الملاك في صورة مُدَّخَرات في البنوك الأجنبية، مما يساهم في تنمية المجتمعات في الخارج أكثر مما يساهم في تنمية المجتمع المصري، وهو ما كان يتمشى مع سياسة الاحتلال الأجنبي.
4- تدهور الأحوال الاجتماعية في الريف على نحو خطير حيث كان غذاء ما يزيد على العشرة ملايين من السكان خبز الذرة الذي يتحايل الفلاح على بلعه بقليل من الملح والجبن أو مع شيء من الفجل أو الكُرَّات، مما يُعَرِّضه لسوء التغذية والتعرض لكثير من الأمراض. إلى جانب انتشار السُّل الرئوي بسبب سوء المسكن.
5- ضعف الإنتاج في قطاعات الصناعة وفي المواصلات والنقل، وانخفاض الأجور التي تقارب الأجور المنخفضة في الزراعة.
6- سوء الحالة الصحية والتغذية، فأكثر من نصف السكان مصاب بالإنكلستوما، وعشرة ملايين إصابة بالبلهارسيا، مما تسبب في ارتفاع نسبة الوَفَيَات إلى 28% في عام 1943. بينما بلغت نسبة من يعانون من سوء التغذية نحو 80% من السكان. وفي مجال التعليم بلغت نسبة الأمية 76% من السكان في عام 1944. (راجع: اقتصاديات مصر، ص 280 - 283) .
الحياة الاجتماعية والتعليمية والثقافية:
كانت البلاد تموج في أعقاب الحرب العالمية الثانية بدعوات إصلاحية في المجال الاجتماعي من الأحزاب السياسية ومن بعض الكُتَّاب الإصلاحيين، لكنها كانت تستند إلى المنهج الإصلاحي المعروف حيث المحافظة على العلاقات الاجتماعية القائمة، أو تعديلها في نفس الإطار القائم، أي أنها كانت خالية من أي نظرة تتناول الأزمة من جذورها، ولا غرابة في ذلك، فقد كان كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال يسيطرون على الأحزاب الموجودة بنسب متفاوتة. وقد كانت هناك أحزاب تصبغ بعض برامجها بصبغة إصلاحية مع إهمال التفاصيل الدقيقة لهذا الإصلاح. ففي عام 1938 جاء برنامج حزب (الفلاح الاشتراكي) الذي أسسه أحمد كامل قطب ليكون أول حزب سياسي مصري يُمَثِّل الفلاحين ويتبنى قضاياهم خاليًا من الإشارة إلى معالجة سوء توزيع الملكية الزراعية، مع كونه حزبًا يهدف إلى تحديد العلاقات الإنتاجية بين الفلاحين والملاك بما يتناسب مع مصلحة الفلاح ورفع مستواه، ولا يتعارض مع مصلحة المالك. (راجع دراسة حزب الفلاح الاشتراكي 1938 - 1952)، للمؤرخ رؤوف عباس حامد) .
وقد كان كبار الملاك الزراعيين يديرون أراضيهم بطريق غير مباشر عن طريق وسطاء، إذ كانوا يفضلون البقاء في المدن الكبيرة، مما أدى إلى قيام طبقة الوسطاء باستغلال كبار الملاك والمستأجرين على حد سواء. وكما عَادَت طبقة كبار الملاك بطبيعتها أي دعوة إلى الإصلاح الزراعي فقد تخوفوا من تعليم أبناء الفلاحين لئلا يتحولوا إلى أعمال أخرى بخلاف فلاحة الأرض والعمل لديهم. لذا فكانت طبقة كبار الملاك الزراعيين تنحاز إلى فكرة جعل التعليم قاصرًا على أبناء الموسرين، وفي حالة بقاء أماكن خالية فيمكن ملؤها بأبناء الفقراء؛ لذا لم يكن عجيبًا أن تظل الأمية منتشرة.
وقد أوضح إحصاء عام 1947 أن 22.8% هي نسبة المتعلمين من مجموع السكان، وأن أقل من 2% من مجموع السكان من حَمَلَة الشهادات على اختلاف درجاتها.