شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فشل تجربة الليبرالية في مصر الملكية (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وفي القاهرة العاصمة كانت الأحياء الوطنية (الشعبية) تَعِجُّ بالفقراء من أواخر القرن التاسع عشر، وكانت تشهد هجرة من الأرياف بسبب تداعي الأوضاع الاقتصادية هناك.

فكانت القاهرة منذ أواخر القرن التاسع عشر مدينتين:

- مدينة أوروبية يسكنها أبناء الجاليات الأجنبية وتتمتع بكل مظاهر المَدَنِية وأشكال الترف.

- مدينة يسكنها الوطنيون (الأهالي) تعاني من مظاهر العَوَز والفقر وتدهور الأحوال الصحية.

وعن التكوين الثقافي في تلك الفترة يقول دكتور حلمي أحمد شلبي: "فمن المعروف عمومًا أن جيل القرن التاسع عشر من كبار الملاك كان محدود الثقافة، ولم ينل بعضهم حظه من التعليم، ونال آخرون حظهم من التعليم الأَوَّلِي في مكاتب تحفيظ القرآن الكريم وفي الأزهر، أو مدارس الإرساليات التبشيرية. على حين اتصل الجيل الثاني وهو من أبناء الجيل السابق بمصادر الثقافة الأوروبية خصوصًا الإنجليزية والفرنسية، وأخذوا ينهلون من معاهدها العلمية بعد ما أَعَدَّت الدولة لهم البعثات العلمية. وعن طريق ذهاب البعض منهم لتلقي تعليمه على نفقته الخاصة، أو الدراسة في المدارس الأجنبية في القاهرة والإسكندرية وعواصم المديريات" (راجع: فصول من تاريخ الإصلاح الاجتماعي في مصر، دكتور حلمي أحمد شلبي - سلسلة تاريخ المصريين (16) - ط. الهيئة العامة للكتاب - ط. 1988م) .

وعن التوجه الليبرالي لهذا الجيل يقول د. حلمي أحمد شلبي: "ولما كان هذا التحول في ثقافة هذا الجيل من أبناء كبار الملاك قد ترك أثره واضحًا فقد كان مبدأ الحرية الفردية -الدعامة الأولى للثقافة الليبرالية في أوروبا- هو الأساس الذي تشكلت عليه ثقافة هؤلاء، وقام عليه تكوينهم الفكري، وتكونت لديهم رُؤًى اجتماعية تقوم على عدة دعامات، هي:

أولًا: سيادة مبدأ الحرية: حرية العمل وحرية الفكر وحرية التملك. ويصبح للفرد أهمية ينبغي أن تكون سلطة الحكومة تعبيرًا عنها، أي تقوم سياسة الحكومة على رعاية مصالح أصحاب الأملاك. ومن غير شك ساهم ذلك في تكريس الإطار الاجتماعي القائم من ناحية الإبقاء على العلاقات الاجتماعية دون ثمة تغيير، بل أدى إلى ازدياد الهوة اتساعًا بينهم وبين الفئات الأخرى.

ثانيًا: معارضة أي لون من ألوان التجديد لأن لهم مصالح في الحفاظ على الشكل القائم من العلاقات، ولأن أي تجديد سوف يحمل معه أخطارًا قد لا يُحْمَد عقباها، ومحاولة فرض هذه النظرة على بقية عناصر المجتمع، والإيحاء إليها أن هذه تقاليد ينبغي الحفاظ عليها وحمايتها.

ثالثًا: التدرج في إدخال أي إصلاحات لا تتعارض مع الملكية الفردية بل تؤدي إلى تعميقها. فالملكية بالنسبة لهم امتياز يؤدي إلى أفضل النتائج الاقتصادية، وبالتالي فإن الدولة تُمَثِّل الحارس الذي يحمي نشاط الأفراد، ولا تتدخل إلا في إطار ما تُمْلِيه النظرة الإصلاحية لهؤلاء الأفراد. وهي كما قلنا نظرة تكره الطفرة وتميل إلى التدرج في حالة ما يدعو الأمر إلى الإصلاح لمواجهة المشكلة الاجتماعية) (المصدر السابق، ص 15 - 17) .

وأضاف د. حلمي: "أمَّا في مجال الملكية وتَرَكُّزها، وعلاقة ذلك بالمشكلة الاجتماعية فقد كانت نظرتهم تكمن في المحافظة على شكل العلاقات الاجتماعية القائم على إحياء التضامن الاجتماعي من زاوية البِر والإحسان إلى الفقراء)، فـ(الفردية والحرية المطلقة التي تُمَثِّل أساس ثقافتهم قد أبعدتهم عن رؤية الآثار الاجتماعية السلبية لتركيز الملكية في يد فئة قليلة والركون إلى فكرة البِر والإحسان) (المصدر السابق، 17 - 18 بتصرف) .

وقد تمثَّلت الليبرالية (الفوضى) الثقافية في ظهور مؤلفات صادمة للأمة في دينها وثوابتها في تلك الفترة، والتي أثارت البلبلة والاضطراب لدى كثيرين، من أشهرها:

- مؤلفات قاسم أمين (وُلِد في عام 1865 وتُوُفِّي عام 1908) في الدعوة إلى سفور المرأة وتحررها.

- كتابات وآراء دكتور طه حسين (وُلِد عام 1889 وتُوُفِّي في عام 1973) كما في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي صدر عام 1926، والذي تسبب في منعه من التدريس في الجامعة في عام 1931.

وقد وقف الليبراليون وفي مقدمتهم حزب الأحرار الدستوريين برجاله وصحيفته إلى جانب طه حسين وحريته في التفكير والبحث وإبداء الرأي. وكذلك كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر) الذي صدر في عام 1937م، وغير ذلك من مؤلفاته.

- كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي كتبه الشيخ علي عبد الرازق (وُلِد عام 1888 وتُوُفِّي عام 1966) وصدر عام 1925م، ونادى فيه بفصل الدين عن الدولة، وأن الإسلام دين لا دولة، وأن نظام الخلافة لا صلة له بالإسلام. وقد عَبَّر رموز التيار الليبرالي عن الترحيب بالكتاب والدفاع عن كاتبه باعتبار القضية قضية تَمَسُّ حرية التفكير والتعبير. كما وقف حزب الأحرار الدستوريين أيضًا موقف الدفاع عن الكتاب مناديًا بحرية الرأي.

للاستزادة في ذلك راجع:

- (عصر محمد علي): عبد الرحمن الرافعي.

- (عصر إسماعيل) جزآن: عبد الرحمن الرافعي.

- (فصول من تاريخ حركة الإصلاح الاجتماعي في مصر): د. حلمي أحمد شلبي.

- (الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر): د. عبد العظيم رمضان.

- (اقتصاديات مصر): د. جمال الدين محمد سعيد.

- (تهافت الليبرالية): د. أحمد فريد.

- (الإسلام والليبرالية مواجهة صريحة): د. علاء بكر.

الصفحة السابقة