شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (37) اسم الله (المجيب) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرُّف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

- ورد اسمه سبحانه (المجيب) مرة واحدة في القرآن، وذلك في قوله -تعالى-: ( فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) (هود: 61) . وورد بصيغة الجمع في قوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) (الصافات: 75) .

- المعنى في حق الله -تعالى-: قال ابن منظور -رحمه الله-: "(المجيب) وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول -سبحانه وتعالى-" (لسان العرب) . وقال السعدي: "من أسمائه المجيب لدعوة الداعين، وسؤال السائلين وعباده المستجيبين".

وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته (1) :

وهو المجيب يقول من يدعو أجبه أنـا الـمـجـيـب لـكـل مـن نـادانـي

وهو المجيب لدعوة الـمضـطـر إذ يـدعــوه فـي سـر وفـي إعــــلان

الوقفة الأولى: بيان مراتب الاستجابة:

- كثير من الناس يختل تعبدهم باسم الله "المجيب" لجهلهم بفقه مراتب الاستجابة: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "فيه دليل على أنه لا بد من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة".

- أمثلة للوجه الأول (إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ): عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الأحزاب، فقال: ( اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ) (رواه البخاري ومسلم) ، فاستجاب الله دعاءه -صلى الله عليه وسلم- ، وتغيرت الأحوال، وتبدلت إلى خير حال للمسلمين، ونزلت الهزيمة، فأرسل عليهم الريح والملائكة تزلزل قلوبهم، وتقلع خيامهم، وتكفئ قدورهم، وتطفئ نارهم، ففروا هاربين، وتركوا من متاعهم ما تركوا غنيمة للمسلمين من غير حرب ولا قتال: ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) (الأحزاب: 25) .

- أمثلة للوجه الثاني (وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ): عن عطاء بن رباح، قال لي ابن عباس - رضي الله عنهما- : ( أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا ) (رواه البخاري ومسلم) .

- أمثلة للوجه الثالث (وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا): رُوي عن بعض السلف: (أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسِرت تنصرت). (صيد الخاطر) . وقال ابن القيم -رحمه الله-: "فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كانت في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية" (مدارج السالكين) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) (رواه البخاري ومسلم) . وفي رواية لمسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ ) (رواه مسلم) (2) .

الوقفة الثانية: مواطن للدعاء يحبها "المجيب" سبحانه:

الأول: الدعاء في ثُلث الليل الآخر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) (رواه البخاري ومسلم) .

الثاني: الدعاء في آخر ساعة من يوم الجمعة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .

الثالث: الدعاء في سجود الصلاة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) (رواه مسلم) . وقال: ( وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ ) (رواه مسلم) .

الصفحة التالية