شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (37) اسم الله (المجيب) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الرابع: الدعاء بين الأذان والإقامة، وحين التقاء الصَّفين في الجهاد، لِما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) . وصحَّ أن سهلًا -رضي الله عنه- قال: "سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللهِ" (رواه مالك في الموطأ، وصححه الألباني) .

الخامس: الدعاء للغير بظهر الغيب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ ) (رواه مسلم) .

الوقفة الثالثة: الآثار الإيمانية لاسم الله "المجيب":

1- قوة اليقين والرجاء بأن الله سيستجيب الدعاء، مما يملأ القلب بالرجاء ويذهب عنه اليأس والقنوط: قال -تعالى-: ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) (النمل: 62) .

- وقد ذكر الله -تعالى- في القرآن كثيرًا من الأمثلة لإجابته -سبحانه- لدعاء أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-: فقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) (الصافات: 75- 76) . وقال الله سبحانه: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) (الأنبياء: 83- 84) . وقال الله عز وجل: ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنبياء: 87- 88) .

وقال الله -تعالى-: ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (الأنبياء: 89- 90) .

2- مِن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يكون المؤمن مجيبًا أولًا لربه -تعالى- فيما أمره به ونهاه عنه، ثم لعباده فيما أنعم الله عليه بالاقتدار عليه: قال -تعالى-: ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) (الشورى: 47) . وقال -تعالى-: ( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ) (الضحى: 10) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما أحوجنا إلى التعبد لله والدعاء بهذا الاسم الجليل (المجيب)، الذي هو ملاذ كل آيس وطامع، وسبيل كل سالك أو ضائع، فحين تضيق بهم السبل، وتتقطع بهم الأسباب، ويصم الناس عنهم الآذان، ويُعرِض الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه، كلٌّ مشغول بنفسه، أبوابهم مغلقة، والدروب نائية بعيدة، لا يجدون ملجأً ولا ملاذًا ولا بابًا مفتوحًا سوى باب المولى -سبحانه وتعالى- القريب المجيب، لا يُغلقه في وجه طارق أبدًا، بل هو دائمًا مفتوح ينتظر من يُنيخ عنده الرِّحال؛ فالله -تعالى- هو الجواد الكريم، السميع البصير، القريب المجيب.

(2) الإنسان لا يعلم عاقبة أمره، فربما يطلب ما لا تُحمد عاقبته، وربما كان فيه ضرره، والمدبر له أعلم بمصالحه: قال -تعالى-: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (البقرة: 216) . ومن أسرار الآية: ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل فيه مضرته وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختار له، فإنه لا شيء أنفع له من ذلك. واختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه، فهو سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم وأمهاتهم، وإذا أنزل بهم ما يكرهون فإنه خير لهم من ألا ينزل بهم، إحسانًا إليهم ولطفًا بهم، فإذا سلَّم العبد لله، وأيقن أن الملك ملك الله، والأمر أمره، وأنه أرحم به من نفسه، طاب قلبه، قُضيت حاجته أم لم تُقض. (انظر: مدارج السالكين) .

الصفحة السابقة