ضوابط وآداب أهل العدل والإنصاف (1-2)
محمود عبد الحميد • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن التحقق بصفة العدل وسلوك درب المنصفين؛ يلزم معه التأدب بآداب، خاصة هذه الآداب التي التزم بها السلف الصالح، فالسائرون على منهجهم في العقائد والأحكام؛ يلزمهم الأخذ بمنهجهم في السلوك والأدب حتى يتحقق الانتماء الصادق والتام إليهم.
والكلام في نقد الرجال وإصدار الحكم منزلق خطير لابد من ضبطه وإحكامه حتى لا يتجرأ المتجرئون، فيُجرح العدل، ويُقدح في الثقة، فلابد للمتكلم في الرجال أن يكون عارفًا بمراتب الرجال وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال، وأن يكون من أهل الورع والتقوى، مجانبًا للعصبية والهوى، خاليًا من التساهل، عاريًا من غرض النفس بالتحامل، مع العدالة في نفسه، والإتقان، والمعرفة بالأسباب التي يجرح بمثلها الإنسان، وإلا لم يقبل قوله فيمن تكلم، وكان ممن اغتاب وفاه بمحرم.
وأهم هذه الآداب:
أولا: التجرد وتحري القصد عند الكلام على المخالفين:
فالتجرد من كل هوى وميل وتعصب من أهم ما ينبغي أن يتجرد المسلم منه؛ لأنه قد تلتبس المقاصد عند الكلام على المخالفين، فهناك قصد حب الظهور، وقصد التشفي والانتقام، وقصد الانتصار للنفس أو للطائفة التي ينتمي إليها الناقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية؛ كان قصده بيان ما فيها من الفساد؛ ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله؛ للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام".
ومن أهم ما ينبغي أن يتجرد المسلم منه:
أ- التعصب:
وهو أن يدعو الرجل إلى نصرة مذهبه، أو فكرته، أو طائفته، أو جماعته، أو تخصصه العلمي، وسواء كان ذلك بالحق أو بالباطل، ومن ذلك: إثبات فضل المتعصب له، واعتقاد أن كل ما يقوله صحيح، والتشنيع على المخالف، فلا يدري إلا مساوئ المخالف وأخطاءه.
وكذلك المبالغة في الإطراء فيما يتعصب له من الأفكار، وتقديس الأفراد الذي يتعصب لهم، وقد يؤدي التعصب إلى الكيل بمكيالين، فإذا تحدث عن من يتعصب له تجده؛ يوفي في مدحه، وذكر محاسنه واستقصاء منافعه، وإذا تحدث عن المخالفين له؛ اجتهد في بيان النقائص والعيوب والسلبيات.
ولما كان التعصب يؤدي إلى الانحياز التام والكامل لشخص أو حزب أو فكرة، فإن هذا الانحياز ينتج عنه ردة فعل لدى الآخرين المخالفين، ويتولد من هذا صراع وفتنة وفرقة، والتعصب يؤدي إلى الانغلاق في دائرة واحدة وفكرة واحدة، ويؤدي إلى ضيق الأفق.
ب- الهوى:
وحقيقة الهوى: السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي، أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل، أو رجوع إلى شرع، أو تقدير لعاقبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، ولا يطلبه ولا يرضى لرضا الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يغضب لغضب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة وهو الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء؛ ليعظم هو ويُثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو لغرض من الدنيا؛ لم يكن لله، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله".
وقال -تعالى-: ( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ) (النساء:135) ، وقال -تعالى-: ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (ص:26) .
وقد ذكر ابن دقيق العيد -رحمه الله- أن اتباع الهوى سبب من أسباب عدم إنصاف الرجال، والانسياق في نقدهم، وأن هذا المرض في المتأخرين.
وطريق معرفة اتباع الهوى واكتشافه لمن يتعرض للكلام في الرجال أو المخالفين له: أن يعرض الناقد على نفسه هذا الرأي لو جاء من شخص على مذهبه وطريقته هل كان سينتقده أو يسكت عنه؟ وهل سيتحمس للرد عليه أو يداريه ويتلطف معه؟ فإن رأى أن معاملة من هو على مذهبه وطريقته ستختلف عن معاملة مخالفه في المسألة الواحدة والخطأ الواحد؛ فليعلم أن الهوى قد داخله، فيتجرد منه، وليجاهد نفسه على ذلك.
ج- الحسد:
فالحاسد يندفع إلى عيب محسوده واستنقاصه في ذلك، وهو بعيد عن إنصاف محسوده والنظر إليه بعين العدل، وعادة يكثر الحسد بين المتزاحمين على غرض واحد، ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، ويدخل الحسد بين الدعاة، وأصحاب الجماعات المتنافسة والتيارات المتصارعة، ولذلك كانت القاعدة: "بألا يقبل قول بعضهم في بعض"، وخاصة إذا كان دافعه الغيرة والحسد، وقيل لعبد الله بن المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة، فأنشد:
حسـدوك أن رأوك فضلك الله بمـا فضلت به النجباء
د- العجب والكبر:
لأن العجب بالنفس أو بالعلم أو بالرأي يدعو صاحبه إلى احتقار الآخرين، وغمطهم حقهم، والعجب أحد دواعي الكبر، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) (رواه مسلم) ، أي: عدم قبول الحق والتكبر عليه، واحتقار الناس واستصغارهم، ولذلك جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك من المهلكات، فقال: ( ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني).
هـ- حب الشهرة والتصدر:
قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير"، ولهذا كان السلف يكرهون الشهرة.
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من طلب الدنيا بعمل الآخرة، فقال: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا؛ لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ -يعني: ريحها- يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
