المسلمون في الصين...آلام منسية
السيد عبد الهادي • المسلمون حول العالم
وقد بدأ الشيوعيون منذ احتلالهم بارتكاب مذابح رهيبة، أعقبها استقدام مهاجرين صينيين بأعداد ضخمة في عملية احتلال استيطاني واسعة؛ وذلك للتقليل من عدد أهل البلاد المسلمين، وألغى الصينيون الملكية الفردية، واسترقوا الشعب المسلم، وأعلنوا رسميًا أن الإسلام خارج على القانون، ويعاقب كل من يعمل به، ومنعوا خروج التركستانيين الشرقيين خارج البلاد، كما منعوا دخول أي أجنبي إليهم، وألغوا المؤسسات الدينية وهدموا أبنيتها، واتخذوا المساجد أندية لجنودهم.
وغيروا الأبجدية الوطنية بحروف أجنبية، وجعلوا اللغة الصينية اللغة الرسمية، واستبدلوا بالتاريخ الإسلامي تعاليم " ماوتسي تونج"، وأرغموا المسلمات على الزواج من الصينيين، ولم يتوقف هذا الحقد الأسود الدفين تجاه المسلمين الذين تعرضوا لجهود دولة كبرى لاسترقاقهم وطمس الإيمان في قلوبهم، ولما قامت الثورة الثقافية في الصين زاد الأمر سوءا، وزادت حدة اضطهاد المسلمين، وكان ضمن شعارات الثورة : "ألغوا تعاليم القرآن ".
ورغم هذا الكبت والاضطهاد فقد استمرت ثورات المسلمين العنيفة التي تعمل الصين على إخفاء أبنائها عن العالم، ومنها ثورة (1386هـ - 1966م) في مدينة "كاشغر"، التي حاول فيها المسلمون أداء صلاة عيد الأضحى داخل أحد المساجد، فاعترضتهم القوات الصينية وارتكبت في حقهم مذبحة بشعة، وانتشرت الثورة في الإقليم، وقام المسلمون بحرب عصابات ضد الصينيين، واستشهد في هذه الثورة -خلال أحد شهورها- حوالي 75 ألف شهيد، ولا تكف الأخبار عن تناقل أنباء انتفاضات للمسلمين في تركستان الشرقية ضد الاحتلال الصيني الدموي اللاإنساني .
ثانياً: المسلمون في بقية أقاليم الصين:
بدأ الإسلام بالصين عن طريق انتقال الدعاة من تركستان الشرقية إلى القرى المجاورة، وأيضاً عن طريق التجارة البحرية مع مدن الساحل الصينية كمدينة (كانتون) ومنها إلى مدن (تشوان تشر)، (يانج تشو) على ضفاف نهر (يانج تس).
العهد المغولي:
وقد زاد نفوذ المسلمين في العهد المغولي بعد أن مال بعض ملوك المغول للإسلام، ونتج عن ذلك هجرة بعض الجنود المسلمين من تركستان وبلاد ما وراء النهر إلى بلاد الصين، وترقيهم في المناصب.
ولعل أشهر هؤلاء القادمين كان سيد الأجل شمس الدين عمر الذي جاء عام 657 كضابط في الجيش، ثم أصبح حاكماً عسكرياً في مدينة (تاي يوان)، ثم حاكماً لمدينة (بنيانغ)، ثم نقل إلى منصب القاضي إلى مدينة (ينينغ) أي بكين، ثم حاكماً عليها.
ثم أصبح مديراً سياسياً في بلاط (قبلاي خان)، ثم عُيِّن عام 671هـ حاكماً على ولاية (ستشوان)، ثم حاكماً لولاية (يونّان) عام 673هـ، وقد أنشأ المدارس والمعاهد الدينية في هذه الولاية، وتوفي وترك خمسة أولاد، لهم كلهم دور في الإدارة، وكانوا من كبار الموظفين في الدولة. وهذا أنموذج من أثر المسلمين في عهد المغول، إذ كان المسلمون حكام ثمان ولايات من أصل اثنتي عشرة ولاية تتألف منها دولة الصين.
ولم يتغير وضع المسلمين كثيراً في عهد أسرة منغ (770 - 1052هـ)، وإن كان قد تأثروا بالحياة الصينية واندمجوا فيها مع الاحتفاظ بالسمة الإسلامية الكاملة، وكان لهم دور كبير في الدولة أيضاً.
وجاءت الأسرة المانشورية إلى الحكم "تسونغ" (1054 - 1329هـ).، فتغير وضع المسلمين عما كان عليه سابقاً، فقاموا بالحركات التي اضطروا عليها.
وأخطر ما في الأمر أن اثنين من قواد المسلمين قد وقفا بجانب (ينغان وانغ) آخر أمراء أسرة (منغ) في محاولة لاستعادة الملك، وهما: (ينغ كوتونع) و(ميراين)، إذ رفعا العصيان في لاية (كانسو) عام 1058هـ -(1684م)-، ففشلت الحركة، وقتل خمسة ألاف مسلم. وهذا ما جعل الحكم المنشوري يشك في نوايا المسلمين تجاهه، فزاد حقد الحكام على المسلمين، وانتظروا الفرصة المناسبة للنيل منهم، وكره المسلمون الحكام لهذا، وأساءوا الظن بهم، وتمنوا الخلاص منهم، وقاموا بالحركات ضدهم، ومن هذه الحركات:
1- ثورة لانتشو عام 1196هـ.
2- ثورة شانس عام 1279هـ (1862م).
3- ثورة كانسو عام 1288هـ.
4- ثورة يونان عام 1233، 1241.
ويبدو أن الضغط الشديد الذي مارسه الأباطرة المانشوريون ضد المسلمين قد جعل المسلمين يركنون إلى الهدوء، ويلجئون إلى الجانب السلمي، كما رغب الأباطرة بالحل نفسه، ووافقوا على إعطاء ترخيص لإمام مسجد بكين (إلياس عبد الرحمن وانغ) بإنشاء معهد إسلامي يدرّس باللغة العربية، وذلك عام 1321هـ.
وكان السلطان العثماني "عبد الحميد الثاني" يدعو إلى الجامعة الإسلامية، ورغب في معرفة أخبار المسلمين في الصين فأرسل أحد رجاله، ويُدعى "أنور باشا" لهذه الغاية، ولكن المبعوث لم ينجح فيما أرسل من أجله، غير أن إمام مسجد بكين "إلياس عبد الرحمن وانغ" قد زار استانبول، والتقى بالسلطان، واقترح عليه إرسال بعثة للصين، فوافق السلطان وأرسل اثنين هما: حسن ورضا حافظ، فأسسا مدرسة في مسجد بكين، وبلغ عدد طلابها مائة وعشرين طالباً. غير أن السلطة الصينية قد لاحقت هذين المبعوثين بحجة اتصالهما بالمسلمين وتطوافهما في مراكز المسلمين.
فالتجأ الرجلان إلى سفارة ألمانيا في بكين... وأخبرت السفارة الألمانية استانبول بذلك غير أن السلطات الصينية لم ترع حصانة للسفارة فاقتحمت السفارة، وفرَّ الرجلان إلى السفارة الفرنسية فحمتهما، وأعادتهما إلى استانبول.
المسلمون في العهد الجمهوري:
إن نتيجة اضطهاد الحكم المنشوري للمسلمين جعلهم يُؤيِّدون قيام الحكم الجمهوري الذي قاده (سون يان سين)، والذي لُقِّب بأبي الجمهورية، هذا إضافة إلى عدم الرضا عن الحكم السابق والناشئ من الاضطرابات والفوضى وعد الاستقرار، وقد تمكن أنصار الحكم الجمهوري على البلاد عام 1329هـ، وتأسست الجمهورية -حسب أقوال أنصارها- على الوطنية والديمقراطية والمساواة، وعُدّ المسلمون أحد العناصر الخمسة التي تتكون منها الأمة الصينية -على رأيهم- وهي:
1- العنصر الصيني.
2- العنصر المانشوري.
3- العنصر المغولي.
4- العنصر الإسلامي (الهوي).
5- عنصر التيبت.
وقد تأسست عدة مؤسسات إسلامية في العهد الجمهوري، مثل جمعية التقدم للمسلمين، وجمعية الأدب الإسلامي، والمدرسة الإسلامية في شنغهان.
