أهل الذمة... ما لهم وما عليهم
فوزي عبد الله • قضايا معاصرة
القائل به: الحنفية وأحد قولي أحمد. انظر المغني 12/764، البدائع 9/374 .
واستدلوا: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من المجوس، وعقد لهم الذمة مع أنهم ليسوا أهل كتاب، فدل على جواز عقدها لجميع المشركين عدا عبدة الأوثان من العرب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.
ولأن قوله -تعالى-: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) نزلت في عبدة الأوثان من العرب دون غيرهم؛ ولأن كفرهم قد تغلظ فلا يجوز عقد الذمة لهم.
ونوقش استدلالهم:
1- أن عدم ثبوت أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب لا يدل على عدم قبول الجزية منهم؛ لأن آية الجزية إنما نزلت عام تبوك في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن أسلمت جزيرة العرب ولم يبق بها أحد من عبدة الأوثان، ولو بقي منهم أحد تقبل منه الجزية كما تقبل من المجوس والنصارى من العرب. أحكام أهل الذمة 1/16 .
2- أنه لا فرق بين شدة كفر بعض الطوائف وبين غيره في الحكم، وبالتالي فإن كفر المجوس أغلظ من كفر عبدة الأوثان من العرب؛ لأنهم يقرون بتوحيد الربوبية بخلاف المجوس. انظر زاد المعاد 3/224 .
القول الثالث:
يجوز عقد الذمة لجميع المشركين بلا استثناء:
القائل به: الأوزاعي ومالك واختاره ابن تيمية وابن القيم -رحم الله الجميع-.
واستدلوا:
1- حديث بريدة -رضي الله عنه- وفيه: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال... ومنها: فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم..) رواه مسلم ، فهذا الحديث كان بعد نزول آية الجزية بدليل استمرار حكمه بعد عصره -صلى الله عليه وسلم- وكان يشمل بعمومه جميع أصناف المشركين، لأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: (عدوك من المشركين) عام يشمل مشركي العرب وغيرهم، وحمله على أهل الكتاب فقط في غاية البعد. سبل السلام 4/61 وبعدها .
يقول البغوي في شرح السنة (11/9): "فظاهره يوجب قبول الجزية من كل مشرك كتابي أو غير كتابي".
ويقول ابن القيم -رحمه الله- في أحكام أهل الذمة (1/15): "إن الجزية تؤخذ من كل كافر هذا ظاهر الحديث، ولم يستثن منه كافرا من كافر، ولا يقال: هذا مخصوص بأهل الكتاب فإن اللفظ يأبى اختصاصهم بأهل الكتاب". وقال أيضا (1/15): "تؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ومن عموم الكفار بالسنة".
2- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد كتب إلى أهل هجر وإلى المنذر بن ساوى -أمير البحرين- وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، ولم يفرق بين عربي وغيره. زاد المعاد 3/2124 .
3- أن عدم جواز عقد الذمة لبعض أصناف المشركين يعد إكراها لهم على تبديل عقيدتهم وإرغامهم على الدخول في الإسلام كرها، وهذا يخالف ما جاء في الشرع الإسلامي، قال -تعالى-: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة:256) .
الراجح:
وهكذا يتضح مما سبق من خلال عرض الأقوال وأدلة كل قول، رجحان القول الثالث القاضي بجواز عقد الذمة لجميع المشركين بدون استثناء. انظر للاستزادة: المغني مع الشرح الكبير (12/756) وبعدها، الشرح الممتع (8/60) وبعدها. أحكام أهل الذمة لابن القيم (1/15) وبعدها، أثر اختلاف الدارين في المعاملات والمناكحات ص122 وغيرها.
أهل الذمة ما لهم -"حقوق الذميين"-
جاء في بعض الآثار عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا" روى مثله الدارقطني .
بعد عقد الذمة للكفار يلزم المسلمين الكف عنهم نفسا ومالا، فليس لهم أن يؤذوهم في شيء من ذلك وعلى المسلمين خلاص من أسر من أهل الذمة واسترجاع ما أخذ من أموالهم؛ لأن المسلمين منوط بهم حماية أهل الذمة والذب عنهم ودفع ما يحيق بهم من ضرر أو شر عدوان.
ويلزم المسلمين أن يضمنوا ما أتلفوه على أهل الذمة سواء كان المتلـَفُ نفسا أو مالا، أي: يضمنه المتلـِف من المسلمين مثلما يضمن مال المسلم نفسه وهو ما لا خلاف فيه.
ويلزم المسلمين أن يدفعوا عنهم أهل الحرب وغيرهم إذا كانوا أهل الذمة في بلاد المسلمين؛ لأنه لابد من الذب عن الدار ومنع الكفار من طروقها، وكذلك لو انفرد ببلد مجاور لدار الإسلام فإنه يلزم الذب عنهم إن أمكن إلحاقا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة.
قال في المغني (12/228): "وإذا عقد الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب أو أهل الذمة؛ لأنه التزم بالعهد حفظهم... ولهذا علي -رضي الله عنه-: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا".
وقال عمر -رضي الله عنه- في وصيته للخليفة بعده: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم" رواه البخاري .
قال في دليل الطالب -للشيخ يوسف بن مرعي مع المنار-: "ويحرم قتال أهل الذمة وأخذ أموالهم ويجب على الإمام حفظهم ومنع من يؤذيهم" أهـ. منار السبيل 1/328 .
فلهم الحقوق العامة وهي الحقوق اللازمة للإنسان، والتي لا يمكن الاستغناء عنها وهذه الحقوق مقررة لحماية الشخص في نفسه وحريته وماله كالحق في الاعتقاد وحرمة المسكن والتنقل وغيرها.
وقد وردت جملة من الأحاديث النبوية في حماية أهل الذمة ودفع الظلم عنهم وتوفير الحرية الشخصية لهم ومنها:
1- فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما) رواه البخاري .
2- ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة) رواه أبو داود، وصححه الألباني .
3- عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها) رواه النسائي، وصححه الألباني .
4- عن رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) رواه النسائي، وصححه الألباني .
