أهل الذمة... ما لهم وما عليهم
فوزي عبد الله • قضايا معاصرة
5- عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) رواه النسائي، وصححه الألباني .
6- وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قتل نفس معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام) رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني .
7- قال -صلى الله عليه وسلم-: (من قتل معاهدا في غير كُنـْهِهِ حرم الله عليه الجنة) رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني .
قوله: (في غير كنهه) قال في عون المعبود: "قال في النهاية: كنه الأمر حقيقته، وقيل: وقته وقدره، وقيل: غايته، يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله. انتهى، وقال العلقمي: "أي: في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه مثله" أهـ. من عون المعبود 5/194 .
قال العلامة السفاريني: "في غير كنهه: أي وقته الذي لا يجوز قتله فيه حين لا عهد له" أهـ.
ففي هذه الأحاديث وغيرها التصريح بعدم التعرض للذميين بشيء من أنواع الأذى في النفس والمال أو تكلفته ما لا يطيق، بل نجد في هذه الأحاديث من الوعيد مما قد لا تجده في غيره؛ وذلك لأن عقد الذمة ألحق هؤلاء الكفار بالمسلمين في العصمة والصيانة، فإذا أخل أحد من أهل الإسلام ونالهم بشيء من الأذى في النفس أو المال وقع تحت طائلة هذا الوعيد الشديد في هذه النصوص النبوية الصحيحة.
ما يجب على أهل الذمة:
يجب على الإمام أن يعقد لأهل الذمة حيث أمِن مكرهم، فإن خاف غائلتهم إذا تمكنوا بدار الإسلام فلا يعقد لهم، وأن يلتزموا بخمسة أحكام:
أحدها: أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون في كل عام، وتؤخذ الجزية من الرجال البالغين لقول -صلى الله عليه وسلم-: (خذ من كل حالم دينارا) رواه الشافعي في مسنده، وصححه الألباني ، ولا تؤخذ الجزية من امرأة وخنثى وصبي ومجنون وقن وزمن وأعمى وشيخ فانٍ وراهبٍ في صومعته.
الثاني: أن لا يذكروا دين الإسلام إلا بالخير، فيجب أن يمتنعوا عما فيه غضاضة على المسلمين كذكر الله -سبحانه وتعالى- أو كتابه أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو دينه بسوء.
الثالث: الامتناع عن إظهار المنكر كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والفطر في رمضان في أمصار المسلمين.
الرابع: التزام أحكام المسلمين في العقود والمعاملات وغرامات المتلفات.
قال في منار السبيل (1/325): "أي تجري عليهم أحكام المسلمين في حقوق الآدميين في العقود والمعاملات، وأروش الجنايات وقيم المتلفات؛ لقوله -تعالى-: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، قيل الصغار: جريان أحكام المسلمين عليهم"أهـ. وقال: "ولأنهم التزموا أحكام الإسلام وهذه أحكامه، ويقرون على ما يعتقدون حله كخمر ونكاح ذات محرم، لكن يمنعون من إظهاره لتأذي المسلمين؛ لأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم جرما" أهـ. من منار السبيل .
الخامس: الامتناع من إحداث الكنائس والبيع، وكذا الجهر بكتبهم وإظهار شعارهم وأعيادهم في الدار؛ لأنه فيه استخفافا بالمسلمين. وهذا ما عاهدهم عليه عمر -رضي الله عنه- في كتاب عبد الرحمن بن غـُنم الذي اشتهر بالشروط العمرية.
قال ابن القيم -رحمه الله- في أحكام أهل الذمة (2/663-664):
"وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها واحتجوا بها ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها"أهـ كلامه.
ومما جاء في هذه الشروط العمرية ما يلي:
"وأن لا نضرب ناقوسا إلا ضربا خفيفا في جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في الصلاة فيما يحضره المسلمون... وأن لا نخرج باعوثا أو شعانين -الأعياد والاستسقاء-... ولا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا... إلخ".
وقد تكلم ابن القيم -رحمه الله- في أحكام أهل الذمة عن حكم بناء الكنائس في بحث طويل ننقل منه ما يلي:
قال -رحمه الله-: "البلاد التي أنشأها المسلمون في الإسلام... مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة... فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة... وِإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسداً، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع".
وقال: "ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق فكيف بإحداث موضع الكفر والشرك"؟!!
وقال: "فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون"؟
قيل: هي على نوعين:
أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين فهذه تزال اتفاقا.
الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تزال... والله أعلم".
ثم قال -رحمه الله-: "الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا بالسيف فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس" أهـ. انظر أحكام أهل الذمة 2/458 .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج28/484:
"وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة".
وقال -رحمه الله- في مجموع الفتاوى 28/485: "والمدينة التي يسكنها المسلمون والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجد لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر لا كنائس ولا غيرها إلا أن يكون لهم عهد فيوفى لهم بعهدهم".
- للاستزادة في موضوع حكم بناء الكنائس راجع:
1- المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (12/ 811 وبعدها)، والشرح الكبير بحاشية المغني (12/823 وبعدها).
2- بدائع الصنائع للكاساني (9/383 وبعدها).
3- أحكام أهل الذمة لابن القيم (2/455 وبعدها).
4- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (28/484 وبعدها).
5- حكم بناء المعابد والكنائس للشيخ إسماعيل الأنصاري تقديم الشيخ عبد العزيز بن باز -رحم الله الجميع-.
ما ينتقض به عقد الذمة:
