كيف نستغل رمضان دعوياً
عصام حسنين • يا باغي الخير أقبل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
- فإن الدعوة إلى الله -تعالى- قد صارت في هذا العصر فرضاً على الأعيان في أغلب الأحيان؛ وذلك لشيوع المنكرات، ولتكاتف الباطل للصد عن سبيل الله -تعالى-، قال الله -تعالى-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104) .
- والدعوة إلى الله -تعالى- سبيل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسبيل أتباعه على الحقيقة، قال الله -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) .
- والدعوة إلى الله صفة المؤمنين، قال الله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة:71) .
- والدعوة إلى الله -تعالى- من الصفات الجليلة التي بايع الله بها المؤمنين، فقال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111) .
ثم ذكر -تعالى- من صفاتهم: (الآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة:112) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركُه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه، علما وعملا فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ؛ لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به". التفسير ج2/400 .
- وكلمة الداعي إلى الله -تعالى- أحسن كلمة تقال على وجه الأرض لاسيما في أزمنة العصيان والجحود والنكران!! قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33) .
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "هو المؤمن. أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحا في إجابته، فهذا حبيب الله، هذا ولي الله".
وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "إن شئتم لأحدثنكم عن أحب عباد الله إلى الله، الذين يحببون الله إلى عباده، ويعملون في الأرض نصحا".
- ومقام الدعوة إلى الله أشرف مقامات التعبد، والداعي المبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفظ الله وعصمته بحسب قيامه بدينه وتبليغه، كما قال ابن القيم -رحمه الله- في جلاء الأفهام ص 249.
- قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "أشرف الناس منزلة من كان بين الله وخلقه، وهم الأنبياء والعلماء".
- وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: "لا أعلم في هذه العبادة شيئا أفضل من أن يعلم الناس العلم".
هذا وإن من الحكمة في الدعوة أن يتخير الداعية الأوقات وأن ينتهز المناسبات؛ يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها".
وإن من المناسبات التي ينبغي أن ينتهزها الدعاة إلى الله وأن يعدوا أنفسهم وإخوانهم ومساجدهم لها من الآن "شهر رمضان" -شهر المغفرة والرحمة، والجود والإحسان- الذي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، وتصفد مردة الشياطين، وفيه العتق من النار، وإقبال الناس على الله -تعالى-، فينبغي أن نعد العدة من الآن لاستقبال هذه النفوس التواقة لطاعة الله، والرجوع إليه.
- وهذه اقتراحات نضعها بين أيدي إخواننا لكيفية استغلال رمضان دعوياً، أسأل الله -تعالى- التوفيق والسداد فيها.
أولا: دعوة أنفسنا:
فيجب أن نعلم أن من الأسباب العظيمة لفتح قلوب العباد هو اتصال الداعي بربه -تعالى-؛ بحيث يتوكل عليه في جميع أموره، لاسيما في أمر الدعوة ونصر الله -سبحانه وتعالى- وإعلاء كلمته، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:3) ، أي: كافيه.
ويتعلق بربه كتعلق الطفل بوالديه، لا يعرف في الوجود غيرهما، قال الله -تعالى-: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (البقرة:200) ، عن عطاء وغيره: "هو كقول الصبي: أبه، أمه، يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك" تفسير ابن كثير 1/243 .
والطريق إلى ذلك بصدق اعتماد القلب على الله الغني الحميد، والثقة به، وحسن الظن فيه، وإتقان فقه القدوم على الله الذي يزعج النفس ويحركها إلى سلوك طريق الآخرة، ويشعرها بقرب الرحيل، وأنه لن ينفعها زاد إلا التقوى؛ فتنشغل بإعداده: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة:197) ، قال عطاء الخراساني: "يعني: زاد الآخرة". تفسير ابن كثير 1/239 .
- فيكون عبداً لله دوماً، يدور مع أمر الله حيث دار، ويتعبد لله -تعالى- عبادة الوقت الذي هو فيه إن كانت صلاة فهو مع المصلين، وإن كانت صوما فهو مع الصائمين، وإن كانت ذكرا فهو مع الذاكرين... وهكذا (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) ، فينبغي لنا أن نغتنم المواسم الفاضلة بزيادة تقرُّب واجتهاد كما كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يفعل، وكما كان سلفنا الصالح يفعلون.
والحذر كل الحذر من الغفلة عن أنفسنا، فنقتلها كما قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (النساء:29) ، قال: "لا تغفلوا عن أنفسكم فمن غفل عن نفسه فقد قتلها". والله المستعان.
