كيف نتذوق حلاوة الصيام (2-2)
إيهاب الشريف • التزكية
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فلئن كانت هذه الآية المباركة تتحدث عن استحسان الهدي الذي يقربه العبد لربه -عز وجل-، فإنها بلا شك يدخل فيها تعظيم الحرمات واجتنابها، تعظيم الأوامر وإتيانها، فمن امتلأ قلبه تعظيما لله وخوفا من الوقوع في محارمه وتعدي حدوده، وحرصا على تنفيذ أوامره فإن ذلك علامة على تقوى قلبه.
ومن هذه الشعائر التي ينبغي أن تعظم:
شهر رمضان المعظم، إذ قد خف ميزان كثير من المسلمين في هذه الأيام، نعم هناك صحوة وهناك إقبال على الطاعات والقربات ربما أفضل وأحسن عما كان الحال قبل ذلك، لكن "نحو المعالي"، ولا يشبع المؤمن من خير يعمله حتى يدخل الجنة.
ولذا كانت هذه الكلمات خطوة على طريق الانتفاع برمضان، وتحصيل لذة الصيام وسائر العبادات فيه.
أحبتي في الله: سبق في مقال لنا في هذه السلسلة: "تذوق حلاوة الصيام"، الحديث عن قدر الصيام كوسيلة من وسائل خمسة للانتفاع برمضان... لنعيش رمضان بطريقة جديدة وطعم جديد عن الرمضانات السابقة -بإذن الله-.
أما الوسيلة الثانية فهي: "التعرف على قدر رمضان"، وكما تساءلنا في المقال السابق عن أعظم شيء يدل على قدر الصيام، فهنا نتساءل ونقول: ما هو أعظم أمر في نظرك يدل على قدر رمضان؟؟
إن أعظم شيء يدل على فضل رمضان ويبين قدره أنه الشهر الذي يؤدى فيه الركن الثالث من أركان الإسلام، الشهر الوحيد الذي فرض الله صيامه على هذه الأمة ومرة واحدة كل عام، ولك أن تتصور لو أن الصلاة التي نصليها خمس مرات يوميا كانت مفروضة مرة واحدة في العام فكيف سيكون الاستعداد لها والقيام بها؟؟
لا شك أنك ستكون في قمة الاستعداد لها، وعلى أعظم اشتياق إليها ثم ستحرص على إخراجها في أحسن هيئة؛ لأنها فرض يؤدى مرة واحدة في العام.. فذلك الحال في رمضان.. فرض نؤديه مرة واحدة في العام، ركن من أركان الإسلام لا يأتي إلا مرة واحدة فكيف يكون الاحتفاء به وتعظيمه؟!
ثم أمر آخر: العبد وهو في الصلاة فهو في عبادة منذ التكبير وحتى التسليم فلا يلتفت ولا يتكلم ولا يأكل ولا يتابع مثلا مسلسلا أو مباراة كرة!! فكذلك الحال في رمضان أنت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في عبادة، وإن كان كن هناك ثم فرق بينها وبين الصلاة، لكن أنت في عبادة على كل حال؛ فكيف يليق بعابد أن يسب أو يشتم أو يقلب نظره في المحرمات؟ فإذا استشعر العبد أنه منذ الفجر وحتى المغرب في عبادة؛ لزم جناب الحشمة وتحفظ وتحرز مما لا يليق بالعابد.
وأمر ثالث يبين قدر رمضان: وهو أنه شهر عظمه الله وفضله على سائر الشهور كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم هو غنم والمؤمن يغتنمه الفاجر) رواه أحمد، وصححه العلامة أحمد شاكر .
ويؤكد ذلك ما ورد في شأن رمضان واختص به رمضان دون سائر الشهور من أنه شهر نزل فيه القرآن، بل (نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) رواه أحمد، وحسنه الألباني .
ولك أن تتصور معي كل الكتب وقد نزلت في ذلك الشهر، ألا يدل ذلك على قدره وفضله؟؟!!
ثم إن النافلة فيه ليست كالنافلة في غيره إذ من السنة الاجتماع على التراويح في رمضان والمداومة على ذلك، دون غيره، ولهذه الصلاة فضل عظيم إذ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه .
بل المحافظة على هذه الصلاة تدخل العبد في زمرة الأكابر؛ كما في الحديث: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا قال من الصديقين والشهداء) رواه ابن حبان والبزار، وصححه الألباني .
بل يكتب للقائم بقية ليلته؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني .
وتجتمع في رمضان أمهات الطاعات الصلاة والصيام والزكاة والقرآن والدعاء والصدقة والعمرة وإطعام الطعام وغير ذلك.
وفيه أسباب كثيرة للمغفرة والعتق من النار، فقد رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- المغفرة على الصيام والقيام، قيام ليلة القدر كما في الصحيحين، فهذه ثلاث فرص لمغفرة ما تقدم من ذنبك، وفي شهر واحد، لتبدأ صفحة جديدة، فيا لها من فرصة ثمينة.
ولكي تدرك قدرها قف مع نفسك الآن وقفة صادقة. نعم، لا تكمل القراءة، توقف وأمسك قلما وورقة أو آلة حاسبة لتقف على تفصيل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما تقدم من ذنبه) كم هي؟؟ في كل يوم أو في كل ساعة، كم عدد الذنوب؟ وكم هي متفاوتة؟
تأملها وتفكر فيها، واستحضر في قلبك الآن أنه بعد أيام يقبل عليك شهر المغفرة تتخلص بفضل الله -تعالى- من ذلك الحمل الثقيل، وإن كان الجمهور على أن التي تكفر هي الصغائر فبإمكانك الآن وبتوبة صادقة مستوفية لشروطها أن تتخلص أيضا من حمل الكبائر لتدخل في رمضان وتخرج منه إنسانا جديدا.
ثم في رمضان أيضا ما ليس في غيره، ففيه ليلة القدر وليلة القدر (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر:3) ، أي ما يزيد على 83 سنة عبادة خالصة صافية، فلو أنك قمت ثلاثين أو أربعين ليلة "في عمرك المحدود" لصار عمرك كله أكثر من ثلاثة آلاف سنة!!
لذلك قال فيها -صلى الله عليه وسلم-: (من حرم خيرها فقد حرم) رواه النسائي، وصححه الألباني ، وفي رواية: (من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم) رواه ابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح ، يا ترى من يتحمل ذلك؟!!
ومن يدرك منا قدر هذه الليلة؟ ساعات تستدرك فيها ما فات من عمرك! ساعات تضاعف فيها الأعمال بالآلاف والمئات... ولا نتوسع فذلك يأتي في مقال قادم -إن شاء الله-، "كيف تفوز بليلة القدر"؟
