الشيعة والقرضاوي والإخوان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فقد دأب الشيخ "يوسف القرضاوي" منذ فترة، بل وأثناء الانبهار العام بمقاومة حزب الله لإسرائيل على التحذير من خطر التغلغل الشيعي في بلاد السنة؛ مما ينذر بعواقب وخيمة، وهذا ما عرضه لهجمة شيعية شرسة على المستويين الرسمي والشعبي، تصاعدت مؤخراً بسبب تصريح جديد للشيخ "القرضاوي" أكد فيه نفس تحذيراته السابقة، ولا شك أنه مما يحمد للشيخ "القرضاوي" صموده أمام إعلام إيران الشيعي؛ والذي تغلغل في كثير من بلاد السنة، لا سيما وأنهم ليسوا في الحلبة وحدهم، بل معهم عدد كبير من مخدوعي أهل السنة الذين ما زالوا يعيشون في وهم التقريب بين السنة والشيعة.
وفي واقع الأمر فإن مصطلح التقريب قد يبدو مقبولاً إذا كان الأمر متعلقاً بآراء شخصية ورؤى هي ملك لأصحابها، وأما إذا كان الأمر يتعلق بعقائد اعتنقها أصحابها بناء على مرجعيات، فلا مجال إلا للحديث عن الدعوة، وهذه الدعوة تكون في أن يبين كل فريق الحجة التي جعلته يرجع إلى هذه المرجعية، ثم في مدى صحة نسبة هذه العقائد إلى هذه المرجعية.
إن دعوى التقريب عند الشيعة ما هي إلا نوع من التقية، ولكنها تقية مكشوفة غاية التكشف
وفي الواقع أن الشيعة الاثنى عشرية، بما أحدثوه من بدع تتعلق بعصمة القرآن، وبما ابتدعوه من طعن في رواة السنة، ومنذ الجيل الأول لهؤلاء الرواة من الصحابة -رضي الله عنهم-، يجعلون أي حوار معهم خارج هذين الأصلين غير ذي فائدة، فضلاً أن يكون ذلك تقريباً، ومع ذلك فقد اغتر بعض علماء السنة -سامحهم الله-، بما أشاعه الشيعة تقية بأنهم قد تخلوا عن معظم عقائدهم الخربة لاسيما ما يتعلق بالقرآن، وبالصحابة -رضي الله عنهم-، وبأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-.
فأطلقوا دعوة التقريب بين السنة والشيعة أملاً في أن يسفر ذلك عن تخلي الشيعة عن باقي باطلهم، ويعودوا إلى منهج أهل السنة، ومنهم من رأى أن تصحيح الشيعة الاثنى عشرية لأخطائهم في هذه الأبواب، وحصر كلامهم في أفضلية علي -رضي الله عنه- أو أولويته للخلافة، يجعلهم بمنزلة الشيعة الزيدية الذين تعايشوا مع أهل السنة بصورة أو بأخرى عبر التاريخ، بل إن بعض هؤلاء ربما بالغ فلم يعد أقوال الزيدية بدعة أصلاً -رغم اتفاق السلف على تبديعهم-، وإن كانوا بلا شك أخف بدعة من الاثنى عشرية، كما أنَّ تحوُّل كثير من رموز الزيدية إلى السنة كـ "الصنعاني" و"الشوكاني" أعطى انطباعاً بأن تحول الاثنى عشرية إلى منهج الزيدية ربما يكون خطوة على العودة الكاملة إلى السنة.
بيد أن كل من جرب مع الشيعة الاثنى عشرية لاسيما الإيرانيين الصفويين يجد أن دعوى التقريب عندهم ما هي إلا نوع من التقية، ولكنها تقية مكشوفة غاية التكشف، وأنهم مستمرون على الأقل في طعنهم العلني على الصحابة؛ بالإضافة إلى المحافظة بصورة أو بأخرى على الكتب التي تدَّعي تحريف القرآن محفوظة في المكتبات العامة أو الجامعات.
وهذه التقية المكشوفة قد حَدَتْ بكثير ممن رفع شعار التقريب فترة من الزمن إلى التراجع عنه كالأستاذ "رشيد رضا" -رحمه الله- صاحب قاعدة المنار الذهبية: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، والذي أخبر أن الشيعة قد كفروه لمجرد أنه ذَكَرَ في شرحه لهذه القاعدة:
"نتعاون فيما اتفقنا عليه من الرجوع إلى الكتاب كما تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل، والسنة كما هي محفوظة في الكتب الستة وغيرها، وعلى تعظيم صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-".
كما تراجع العلامة "محب الدين الخطيب"، والذي لم يكد يضع قدمه في هذا الطريق حتى أدرك أن للشيعة قرآناً غير الذي في أيدينا، ورواة السنة الموثقون عندنا مكذبون عندهم، والصحابة الذين نرجع إلى فهمهم غير مرضيين عندهم، فإلى أي شيء نتحاكم إن أردنا حواراً أو تقريباً؟!
وممن تراجع أيضاً الدكتور "مصطفى السباعي" -رحمه الله- الذي أراد أن يرد على "أبي رية" في أكاذيبه حول رَاوية الإسلام أبي هريرة -رضي الله عنه- ففوجئ بأنه ينقل عن كتاب لرجل شيعي من أبرز دعاة التقريب يدعى "عبد الحسين"، وصدم أكثر حينما وجد أن تاريخ نشر الكتاب يرجع إلى فترة شهدت تعاوناً وثيقاً بينه وبين "عبد الحسين" بشأن التقريب!!
وأما ثالثة الأثافي فكانت حينما كلم "عبد الحسين" هذا فلم يستطع أن يظفر منه حتى بوعد بإيقاف حملتهم ضد الصحابة -رضي الله عنهم- ومنهم أبو هريرة -رضي الله عنه-.
فدوَّنَ صرخة في مقدمة كتابه "السنة" يحذر فيها من التقريب الذي يكون ثمنه أعراض صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن لم يستطع أن يتخلص من الوهم نهائياً فطالب عقلاء الشيعة بأن يؤسسوا تقريباً قائماً على احترام الصحابة وتعظيمهم.
استثمر الشيعة الإعجاب الشعبي بحزب الله الشيعي للترويج لمطاعنهم في الصحابة، وفي أمهات المؤمنين
وأما الشيخ "يوسف القرضاوي" فاتعظ بحال من سبقه، وليته اتعظ فتبرأ من دعاوى التقريب، والتزم الواجب عليه من دعوتهم إلى الحق وبيانه لهم!!
ولكنه وضع قاعدة أخرى تعفيه من تتبع ما ينشره الشيعة من طعن على الصحابة، أو ما يحتفظون به في مكتباتهم مما هو أخطر من ذلك فقرر أن: "التقريب قائم على عدم محاولة أتباع كل مذهب الدعوة إلى مذهبه في البلاد التي يمثل المذهب الآخر أغلبية فيها".
ولا ندري على أي أساس بنى الشيخ "القرضاوي" هذه القاعدة، والتي ينبني عليها أن يترك علماء السنة أجيال تلو أجيال ممن ولد لآباء شيعة أن يتربوا على سب الصحابة والطعن عليهم، بالإضافة إلى العقائد الأخرى الخربة في القَدَر، وفي الصفات، بالإضافة إلى الفقه الشاذ من نكاح المتعة وغيره من الفضائح.
على أية حال التزم الشيعة ظاهرياً بهذا، والشيخ -عفا الله عنه- فرح مسرور بما يراه من نتاج دعوة التقريب التي آلت إليه إمامتها.
إلى أن جاء "الأمريكان" إلى "العراق"، واستقوى الشيعة بهم على أهل السنة كعادتهم، وواجه أهلُ السنة حربَ إبادةٍ منظمةٍ من قبل المليشيات الشيعية، وانتشر القتل على الهوية في الشوارع والطرقات، ودعاة التقريب يغمضون أعينهم، ويوجهون النصيحة السمجة للجميع بضبط النفس.
