شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الشيعة والقرضاوي والإخوان

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

ولما وجدت مقاومة مسلحة سنية تقاتل "الأمريكان" في المقام الأول، ووجد فيها قدْر من الغلو في تكفير الشيعة، ابتهج دعاة التقريب لها، وحملوها مسئولية كل ما يحدث، رغم أن انحرافاتهم لا تبلغ عشر معشار ما فعله الشيعة، وإن كان كل خطأٍ مردود على صاحبه كائناً من كان.

ثم جاءت حرب "حزب الله" ضد "إسرائيل"، والتي اكتسب فيها أرضية كبيرة عند عامة المسلمين، شارك دعاة التقريب في صنعها بما هللوا كثيراً لـ "حزب الله" فيها، وليتهم بنوا مواقفهم من باب أن الشيعة المبتدعين أقرب إلينا من اليهود، ولكنهم وللأسف بنوا مواقفهم على أن "حزب الله" هو ممثل الإسلام والمسلمين، رغم أن "حزب الله" استخدم سكان القرى اللبنانية لا سيما ذات الأغلبية السنية دروعاً بشرية، بينما امتنع عن فعل ذلك في القرى ذات الأغلبية الشيعية، بل والقرى ذات الأغلبية النصرانية، في ذات الوقت الذي حرمت فيه هذه القرى السنية من المساعدات ومواد الإغاثة.

واستثماراً لهذا الإعجاب الشعبي بدأ الشيعة في شراء أقلام مأجورة في صحف علمانية في بلاد السنة، لا سيما مصر؛ للترويج لمطاعن الشيعة في الصحابة -رضي الله عنهم- وفي أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، وتصاعدت الحملة إلى حد توزيع مذكرات على المساجد في بعض المدن، لا سيما تلك التي لا تشهد تواجداً كبيراً للدعاة السلفيين.

ومما يحسب للشيخ "القرضاوي" أنه جهر بالحق، وحذر من الشيعة في أكثر من مناسبة، وإن كان قد استمر على قصر إنكاره على محاولاتهم نشر منهجهم في بلاد السنة دون أن يتعرض لمبدأ اعتناقهم لهذه الأكاذيب.

وكعادتهم في الغدر والجحود رد الشيعة على لسان أكثر من رمز ديني، بل وسياسي في "إيران" بالسب والطعن الذي وصل إلى حد ادعاء أن "القرضاوي" يعمل لصالح الماسونية العالمية، وزعم بعضهم أن الشيخ "القرضاوي" مصدوم من جرَّاء تشيع ابنه الشاعر "عبد الرحمن يوسف القرضاوي" (1) .

وتوالت الأحداث...

فانضم بعض دعاة التقريب إلى الشيخ "القرضاوي" مستنكرين أن يواجه الشيعة إحسانه إليهم بالسب والطعن.

ولا ندري هل أفاق هؤلاء فجأة ليكتشفوا أن الشيعة قومٌ بُهْتٌ، وهم الذين رموا الصحابة بأشنع الفظائع؟!

هل أفاق هؤلاء فجأة ليكتشفوا أن الشيعة ناكرو جميل وجاحدو فضل، وهم الذين جحدوا فضل من أخرجوهم وأخرجوا أجدادهم من الظلمات إلى النور؟!

إلا أن هؤلاء أحسن حالاً ممن وجهوا اللوم إلى الشيخ "القرضاوي" على اعتبار أن "البادي أظلم"، وأن الشيخ "القرضاوي" هو الذي استفز الشيعة بتصريحاته ضدهم، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم يرون التقريب حتى بدون الشروط التي وضعها دعاته الأوائل، ولا تلك التي وضعها "القرضاوي"، وصار التقريب في زعمهم أن يعربد دعاة الشيعة سباً وقذفاً في الصحابة، ويخرجون أبناء السنة من السنة إلى البدعة، بينما يلهج دعاة السنة بمدحهم والثناء عليهم، والنفي التام أن لدى القوم أي عداوة لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

هل أفاق هؤلاء فجأة ليكتشفوا أن الشيعة ناكرو جميل وجاحدو فضل، وهم الذين جحدوا فضل من أخرجوهم وأخرجوا أجدادهم من الظلمات إلى النور؟!

وربما تبجح بعضهم أكثر وقرر: "إننا ينبغي أن نتجاوز عن هذه الزلات للشيعة طالما أنهم يقفون في وجه العدو الأمريكي والصهيوني". ولا ندري هل يمكن لهؤلاء أن يفرطوا في عرضهم فيتركونه مباحاً لكل من وقف في وجه "الأمريكان" ليسب ويشتم ويقذف، أم "الكرم الحاتمي" لا يظهر فقط إلا فيما يتعلق بعرض أمهات المؤمنين وصحابة النبي الأمين؟!

بالإضافة إلى أن هذه الوقفة في وجه "الأمريكان" و"اليهود" لم تكن يوماً ما موقفاً ثابتاً للشيعة، إنما هي أمور تحركها الحسابات والمصالح السياسية، ولهذا مقام آخر؛ إلا أنه من باب التذكير فقط نـُذَكـِّر هؤلاء الذين دافعوا عن "نزوة حسن نصر الله" بأنها جاءت لتخفيف الحصار على "غزة"، وها هي "غزة" تحاصر حصاراً خانقاً يبلغ في شدته عشرات أضعاف الحصار السابق، و"حزب الله" مشغول بالاحتفال بذكرى النصر على "إسرائيل".

ويبقى موقف جماعة "الإخوان المسلمين" موقفاً مخيبا للآمال، مُثْبِتَا أن خيار التقريب لدى "الإخوان" خيار سياسي كسائر خياراتهم في الفترة الأخيرة، وليس نابعاً من موقف فقهي مستمد من رأي فقهاء الجماعة، وإلا فالدكتور "مصطفى السباعي" -المراقب العام للإخوان بسوريا- قد شجب هذا التقريب الذي يستمر فيه الشيعة في سب الصحابة -رضي الله عنهم- حتى في بلادهم، ومع ذلك اغتر من بعده الأستاذ "سعيد حوى" مراقب الإخوان بسوريا أيضاً، فأيد الثورة الخومينية على أنها تمثل مرحلة صادقة جديدة من مراحل التقريب، ثم شجب ذلك في رسالته: "الخومينية شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف".

وها هو "القرضاوي" التي تحرص الجماعة دائما على استصدار فتاوى منه في جميع مواقفها، ويعتبرون أنه ليس لغيره ممن هم أقل منه علما أن يخالفه، فلماذا يخالفونه هنا، بل ويخطئونه و"يخذلونه" في مواجهة خصوم متعجرفين، سليطي اللسان، لديهم أبواقهم الإعلامية الصاخبة؟!

إن موقف "الإخوان" في قضية "الشيعة" و"القرضاوي" لا يختلف عن موقف أحد رموزهم وهو الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" في قضية "نجيب محفوظ" و"سيد قطب".

فهل يدرك "الإخوان" خطورة إدخال الموازنات السياسية مع المخالفين عقدياً من نصارى ويهود وشيوعيين وعلمانيين؛ بالإضافة إلى مبتدعي الأمة وأخطرهم الشيعة، أم يستمرون في حسابات سياسية ربما امتد ضررها إلى رمز كبير من رموزها كـ "القرضاوي"؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفحة السابقة الصفحة التالية