إضــــــاءات
أحمد جميل • التزكية
وغيرها من أسئلة كثيرة مفادها... إنها نعمة الله وفضله وجوده.
فهل بعد ذلك تزهو النفس وتُـسَّـول لصاحبها بـ (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص:78) ، أم تنكسر لله، وترد الفضل لأهله ولسان الحال:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلـَّينا
- واحذر أيضاً وحشة أن تتسرب لقلبك من قـِلة السائرين في الطريق معك، أو يأساً وقنوطاً من طول السفر، أو وسوسة شيطان إذا رأيت من يرتد على عقبيه أو يعود القهقرى، لا عليك إلاّ المضي، فاصبر في سيرك، واستعن بربك، وقدوتك: السالكون السابقون ممن وصلوا، ودخلوا، وفـُـتحت لهم الأبواب، اسلك طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإيـّاك وطرق الضلالة ولا يغرك كثرة الهالكين.
- واحذر من تصورٍ واهمٍ أنك تستطيع السفرَ بمعزل عن رفقة الخير، وقطعَ الطريق دون ركب الصالحين، هيهات.. فإن وجدتهم فعض عليهم بالنواجذ، وتمسك بصحبتهم وإن كنت فيهم تابعا لا متبوعاً، ذيلاً لا رأساً، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
ثم لهم عليك حق المحبة في الله، وترك الشقاق والنزاع وأسباب الفرقة، ولهم عليك حق النصح بالرفق، والأمر بالمعروف، تقيل عثرة الساقط، وتعلم الجاهل، وتعين المحتاج، فهم شركاء الطريق ورفقاء الدرب، وبالجملة بذل الخير لهم في الله ولله.
خذ مـا أردت من الـدنيا وأهـلـيها لكن تـعـلـَّم قـليـلا كـيف تـعـطيها
كن وردة ً طيبها حـتى لـسـارقـها لا دَمـِـنَـة خُـبـثها حـتى لساقـيـها
وانظر إلى الماء إن البذل شيـمته يأتي الـحـقـول ويسقيها فيرويها
فــمـا تـعـكـَّر إلا وهـو مـنحـبـس والنـَّفـْس كالماء تحكيه ويحكيها
- وأخيراً احذر من ترك الطريق الواضح الأغر، لتطرق طرقاً معوجة أو سبلاً لم تسلك من قبل، ظاناً أن ذلك يوصل للمراد، سِـْر على درب من سبقك، إمامك محمد -صلى الله عليه وسلم-، ورفقتك من اتبع هداه، وقد كـُفيت مشقة البحث وعنت التجارب، فلا تبدِّلـنّ، ولا تبتدعنّ محدثا من الأمر، فقد وصل لك الدين كاملاً، والشريعة وافية، وما لم يكن يوم النبي -صلى الله عليه وسلّم- ديناً فليس اليوم بدين.
إضاءةٌ للتمهل: وقفة مراجعة
والسائرون بشوق إلى الله يحتاجون جـُلّ الحاجة لوقفات مراجعة أثناء سيرهم، لتحرير معنى الإخلاص، وصرف النيّة لباريها، فلا تلتفت لمرادك من الناس، ولا لمراد الناس منك، بل وحـِّد وجهتك، واجعل إرادتك صافية لربك -تعالى-، تـنـل القبول عند الله، فذلك مراد الله منك (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة:5) ، أما أن تلتفت لتعليقات من حولك عنك أثناء سيرك، بالمدح والذم، والرضا والسخط، فلن تسلم لك نفسك ولن يخلص لك عملك، وإنما الأعمال بالنّيات.
إضاءة تنبيه: هل جهزت الزاد؟
أخي المسافر، كل من أراد الخروج لرحلة أعد لها زاداً، وجهـّز ما يعينه على سفره، من راحلة وطعام وشراب ومال، لكن السالك طريق ربه زاده مختلف، فهو يتخفف من متاع الدنيا التي يتقاتل عليها الناس فتقتلهم، ويجمعون منها فتثقل عاتقهم، وتكل كاهلهم، فيسقطون من مشقة الحمل، ويخرجون من الدنيا بعد ذلك صفر اليدين، ومصيبة المرء في الزاد الفاني مصيبتان: يؤخذ منه كـُلـّه، ويـُسأل عنه كـُلـّه.
أما العبد الرباني المسافر لربه يخفف من متاع الدنيا؛ لأنه يعلم أنه بين يدي الله موقوف، وعن الصغير والكبير والنقير والقطمير مسئول، في المقابل يحمل معه في رحلته ما يبلغه مقصوده، فيتزود بطاعة ربه، ويدخر عملاً صالحاً يجد ثوابه يوم الحساب، وزاده تقوى الله (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة:197) .
إضاءة توضيح: النعيم لا يدرك بالنعيم
واعلم -رعاك الله- أن الطريق الذي اخترت ليس مذللاً من الصعاب، ولا ممهداً من العقبات، فضلاً أن يكون مفروشاً بالورود، بل العقبة كئود، والناصر قليل، والعدو قاعد بكل مرصد، متربص بك الدوائر.
الطريق طويل شاق مليء بالفتن من كل لون، فتن الشهوات والشبهات، فالأولى علاجها الإيمان وتقوى الله في السر والعلن، والأخرى علاجها العلم والبصيرة والاستمساك بالهدي النبوي، ثم بالصبر والتوكل في هذه وتلك (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) .
الطريق محفوف بالمكاره، كلما تـقـْرُب فيه من مولاك زِيد لك في البلاء، محواً للسيئات، ورفعاً للدرجات، وإحقاقاً لسُنّة الله في الأرض (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2) .
الطريق يـُقطع بالصبر والاحتساب واليقين، ولا مساومة بين رغد العيش وطيب المنام، وبين طلب الموت في مظانـّه، ذلك لخـُطـّاب الجنة، أين المهر؟ ولزاعمي المحبة، هاتوا البرهان... (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214) .
الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السّنة، أمضى عمره بين تعلم وتعليم، إحياءً للسّنة وقمعاً للبدع، ذاق البلاء من ضرب وشتم وحبس، حياته كد وتعب، فلـّما يـُسأل متى الراحة يا إمام؟ يقول: "عند أول قدم تضعها في الجـَنـّة".
لا تحسبن المجد شهداً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعـق الصبِرا
إضاءةٌ مُشْرقة: نعم أنت تستطيع
نعم أخي في الله أنت تستطيع، تستطيع -بفضل الله- أن تكون أفضل، أن تـتـغـّير للأحسن، أن تـتـحـلـَّى بالجميل، وأن تـتـخـلـَّى عن كل قبيح، لاسيما في مواسم الخيرات وأيام الطاعات والقرب من الله.
ها أنت ذا قد فـجـَّرت ينابيع الخير في نفسك، واكتشفت مكامن النور في قلبك وعقلك، فأنت تستطيع.
