شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

إضــــــاءات

أحمد جميل • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فإن المسافر إلى ربه في درب العبودية في هذه الحياة الدنيا، يحتاج إلى مُعينٍ على معتركه الطويل، وناصحٍ أمين يثبته أمام عوائق الطريق وشواغل السفر، ومـُبصـِّر إياه بمواطن الخلل وأماكن العطب حتى يجتنبها، ومـُصـِّبر له حتى لا يستثقل المسير، ولا يمل ولا يكل من مشقة السعي، وأيضاً يحتاج لحادٍ يحدوه فيعطيه الأمل ويحبب إليه العمل فتتجدد العزيمة، وتسمو الهمة، وينشط المسافر الذي ربما يعتريه الكسل والفتور.

وبالجملة فهذه بعض الإضاءات -التي تفور في الفؤاد- أحببت أن أهديها لإخواني السائرين في الطريق لربهم، عسى الله أن ينفع بها ويـُكتبَ لها القبول، تذكرةً للكاتب قبل القارئ، وهي لمحات وقطوف عابرة، تركتُ القلم فيها على سجِـيَّـته، وأطلقتُ عنان النفـْس لتخرج الكلمات من القلب وللقلب، جاءت على عجالة وانشغال، مع قلة علم، فهي من جراب خالٍ، وأرض جدباء، وإلاّ فالمزيد والمزيد دونك إيّاه بتدبر آي القرآن الكريم، وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكلام العلماء الربانيين.

وربـــك ليس إمساكي لبخلـــــــي ولـكـن لا يـفي بالخـرج دخـلي

وفــي نفسي السماحة غير أنــــِّي على قدر الكساء مـددت رجلي

إضاءة بـِـشـْـر: حقيق بالمؤمن أن يفرح

فمـِن منّة الله -تعالى- على هذه الأمة أن جعل لها مواسم للخيرات، يتعرض العبد لنفحات من عند الله -تبارك وتعالى-، ويتقلب في عبوديته -عز وجل-، من طاعة لأخرى، ومن خير لخير، وقد مـنّ الله عليه برعايته، وكَلأَه بحفظه، بتعاهد الإنسان بالطاعات وتذكيره بأيام القربات، فالنفس تنسى وتفتر وتغفل، فيكون ذلك تجديداً للإيمان الذي يـَبْـلى كما يبلى الثوب الخـَـلِـق، وبعثاً لروح المحبة لله، فيقبل العبد على ربه إقبال الراغب المحب، المستبشر الواثق.

فتلك هي النعمة الحقيقية، ومن لم يرَ لله عليه نعمة إلاّ في مطعم أو مشرب أو صحة وعافية فهو لم يعرف ربه تمام المعرفة، ولم يدخل جنّة القرب من الله بعد.

فإذا فرح الناس بحصول المطلوب لهم من عرض الدنيا -من مال أو ولد أو جاه ومنصب- فالمؤمن يفرح بعطية الله له من هذه الطاعات لاسيما أيام القربات والنفحات.

وإذا فرح الناس بانتسابهم لذوي العزة والسلطان، يلتمسون عندهم الرفعة والأمان، فالمؤمن يفرح لدخوله تحت مظلة العبودية للواحد الدّيان، وتشريفه بعبوديته للرحمن.

وإذا فرح الناس بمعافاتهم من الأمراض والفقر والخوف وغيرها من البلايا، أفلا يحق للمؤمن أن يفرح باستقامته على أمر ربه، ومعافاته من بلايا الذنوب وهوان المعاصي وذل البعد عن الله؟!

وإن فرح الناس بتحقق آمالهم التي كانوا لها يخططون، ونيل مآربهم التي عملوا من أجلها، وإن يحزن الناس لمّا تأتي الرياح بما لا تشتهي سفن مطالبهم فالمؤمن حاله لا كحالهم، فهو راضٍ عن ربه، مطمئن قلبه بما قـُسم وقـُدّر له، فيكون مرتاح البال، ساكن السريرة، أفلا يحق له أن يفرح؟!

فيا من التزمت طريق الهداية أبشر وتهلل، ولا يصيبنـّك شيء من الهم والحزن، فحقيق بك أن تفرح (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58) .

إضاءةٌ للبدء: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)

اعلم -رحمك الله- أنّ الله فاوت بين قدرات البشر، ونوّع بين مواهبهم -لحكم جليلة-، بل وحتى في "رزق الطاعات" الذي وهبه للطائعين جعل الهمم مختلفة، وحب ألوان البر وصنوف الخيرات متباين بين الناس.

وفي الطريق إلى الله هناك مسارات عديدة -كلها داخل الطريق- توصل إلى المقصود بإذن الله -تعالى-، وأبواب متعددة فـُتحت لنيل المراد، وما على الراغب إلاّ أن يلج، فمن أراد الدخول من باب الصلاة فليفعل، ومن أراد من باب الصيام فليفعل، ومن أراد من باب القرآن أو الصدقة أو صلة الأرحام أو حب المسلمين وسلامة الصدر لهم، وغيرها وغيرها.. من أراد فليدخل، والحاصل أن مواسم الخيرات وأيام القربات لم تدع لمتكاسل عذراً، ولا لمتوانٍ سبيلاً.

عبدَ الله، الميدان واسع، والسباق حامٍ، والمنافسة شريفة لا على عارض دنيوي زائل، بل الغاية الله، والموعد هناك "الجنة" عند نهاية السباق، وما على المتنافسين إلا البدء والصدق والإخلاص.. والله المستعان.

ومِن فضل الله ورحمته أن يفتح على بعض عباده من كل الأبواب، وييسر كل السبل للولوج إليه، فتجدهم سبـّاقين لكل خير، فرسان في كل الميادين، (من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا، من تبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر أنا، فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا، فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر أنا) رواه مسلم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ما عليك أخي إلا أن تفتش في نفسك، وتمعن النظر في مواهبك، لا بد أنه حـُبِّـبت لك طاعة، ويـُسـِّر لك خير، فلماذا لا تدخل الحلبة وتسابق؟؟! (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21) .

إضاءة تحذير: إياك وهؤلاء

وأنت في طريقك لربك أيضاً -أخي الكريم- احذر:

- احذر من نفسك أولاً فهي عدوك اللدود، وهي غريمك الخفي، من أطاعها أوردته المهالك، ومن خالفها نجا، تعرض لك بألوان المعاذير لتثـبِّـطك، وتشغلك بالعوارض لتصرفك عن هدفك وتثنيك، فإن أبيت إلا المسير، تحايلت عليك لتوهن قـُوّتك وتـُفـَتـِّـر من خطواتك، تدعوك للتأمل في منازل الطريق، والتمتع بمناظر جـَنـَباته الخلاّبة لعلك تقف أو تبطئ أوتركن لشيء منها، فهنا تنال النفس مناها، وترد مشربها.

- احذر الغرور بسَيْرك، والعـُجب بعملك، فإن كانت من طاعة اكتسبتها فهي محض مـِنّة من ربك، وإن كان ثـَمّ خير عملته فهو بتوفيق ربك لك، واصطفائه واختياره لتكون من الطائعين الخيَّرين.

وإلاّ فسل نفسك:

لماذا حُرم غيرك وأُعطيت أنت؟

لماذا حين كنت تذكر ربك كان غيرك غافلاً؟

وحين كنت شاكراً كان غيرك كافراً؟

وحين أسلمت وجهك لربك تمرغت أنوف كثيرة في وحل عبودية غير الله؟

وحين هداك أضلَّ كثيرين؟

الصفحة التالية