فوبيا "تحكيم الشرع" تخلص منها الكفار فمتى يتخلص منها المسلمون؟؟؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وعرض لاسكين في مقاله الذي جاء بعنوان: "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟"، المخاطر التي تحدق بالرأسمالية، وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.
نقلا عن مقال: "كتاب غربيون: الشريعة تنقذ اقتصاد العالم" موقع إسلام أون لاين.
ومن هذه النقول يتضح لك أن كثيراً من الكفار حرصاً على دنياهم وإذعاناً بعظمة التشريع الإسلامي ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية فيهم مع أنهم غير مسلمين.
وإذا كان هؤلاء لم يجدوا لهم دافعاً للدعوة إلى تطبيق شريعة الإسلام سوى ما أدركته عقولهم بما فيها من مصالح، وما لمسوه بأنفسهم بما في مخالفتها من مفاسد، فإن الأمر بالنسبة للمسلمين كان ينبغي أن يكون أظهر وأوضح.
فالمسلمون الذين يقرؤون قوله -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) (طـه:124) ، ليسوا في حاجة إلى تجارب ليعلموا شؤم المعصية، وهم يعلمون أن كل المعاصي حتى تلك التي لا ترتبط بالنشاط الاقتصادي من قريب ولا من بعيد سبب لضيق الرزق، فضلاً عن الآثار المباشرة لكل ذنب من الذنوب، والتي أدركها حتى الكفار من الآثار المدمرة للزنا والخمر والربا وغيرها.
فالمسلمون الذين يقرؤون (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) ليسوا في حاجة إلى تجارب ليعلموا شؤم المعصية
وقبل هذا كله يوجد الإيمان الذي يلزم أصحابه بالتحاكم إلى شرع الله (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) ، لكن يوجد بعض من هم من جلدتنا -نحن المسلمين- ممن لا يكاد يطيق سماع كلمة تطبيق الشريعة، لا سيما إذا ذكرت في مقابل إفلاس المناهج الغربية التي يعملون وكلاء للترويج لها في بلاد المسلمين، وكلما سمعوا من يعلق هذا الضيق والكرب على المعاصي أخذوا ينعون عليه أنه من أصحاب الفكر الغيبي الظلامي.. إلى آخر تلك الألفاظ التي اعتدنا سماعها من أفراخ الغرب أكثر من سماعها من الغربيين أنفسهم.
وأعجب من هؤلاء أقوام يزعمون أنهم من جلدة "الإسلاميين"، ولكن أصابتهم فوبيا "تحكيم الشريعة" التي كانت حتى وقت مضى قاصرة على الكفار وعلى العلمانيين، فإذا بها تصيب بعض المنتسبين إلى الدعوة زاعمين محاولة تصحيح "غلو" البعض في قضية الحاكمية، فلم يجدوا لهم من دواء إلا النهى التام عن الكلام في قضية "تحكيم الشريعة".
وهي قضية أعم من أن تكون قضية موجهة إلى الحكام، ولكنها قضية موجهة إلى كل مسلم حاكماً كان أو محكوماً، وهي قضية من مقتضيات توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فَرَامَ هؤلاء من باب إغلاق باب الغلو أن يغلقوا هذا الباب جملة وتفصيلاً، ولو أن كل باب غلا فيه البعض أغلق لما بقي لنا من شرائع الإسلام شيء.
وليت الأمر انتهى عند هذا الحد، بل بلغ الحال ببعضهم إلى الزعم بأن كل من لم يوافقهم على "آرائهم" فهو موافق على غلو الغلاة، بل هو منهم، بل هو كبيرهم، بل هو رأس من رؤوس الخوارج.
ومن المضحكات المبكيات أن أحدهم قد نسي نفسه في غمرة "أم المعارك" التي يخوضها ضد من أسماهم برؤوس الخوارج، فوجه كلمة عصماء "استنكر" فيها سكوت "ولاة الأمر" -وسماهم بأسمائهم- عن قتل رؤوس الخوارج من أمثال فلان وفلان.
ولا أدري لماذا لم يعد هذا النقد العلني لـ"ولاة الأمر" خروجاً؟ أم أن هذا نوع من الخروج يمكن تسميته بـ"خروج الحبيب" قياساً على "ضرب الحبيب" في المثل الشعبي الدارج؟!
وما زالت هذه الفكرة تطِنُّ على رأس بعضهم، حتى صارت هذه القضية هي شغله الشاغل، فلم يعد هناك تدارس لكتاب ولا لسنة ولا لهدي سلف، ولا تصدي لانحراف داخلي -"أينهى غيره عن الخروج ثم يكون خارجيا؟"-، ولا انحراف خارجي -"خشية أن يكون داخلياً دون أن يدري، أو أن يتحول يوماً إلى انحراف داخلي ولا ينتبه في غمار انشغاله بالحرب المقدسة على الخوارج"-!!
لقد هممت أن أشبه هؤلاء بالدب الذي أراد أن يهش الذباب عن وجه صاحبه فقتله، ولكني وجدت أن في ذلك ظلم للدب؛ لأن هؤلاء وإن ذهبت بعض أحجارهم الطائشة إلى من كان عنده خلل فقتلوه بدلاً من علاجه إلا أن جُلَّ أحجارهم أصابت من لم يكن به بأس البتة.
قضية تحكيم الشريعة أعم من أن تكون قضية موجهة إلى الحكام، ولكنها قضية موجهة إلى كل مسلم
نعم لقد شَغَلَ هؤلاء من ابتـُلي بالسماع لهم بقضية وحيدة، وهي محاربة كل من يدعو إلى تحكيم شرع الله وإن لم يكفر معيناً أو يخرج حتى من مسجده، فضلاً عن أن يخرج على حكام زمانه، وانشغلوا بذلك عن سائر القضايا، ومنها مواجهة الخوارج الأصليين الذين يكفرون المسلمين كلهم أو جمهورهم على الأقل، فإنا لا نكاد نرى لهم جهداً في مواجهة هؤلاء.
والآن ومع تصاعد موجة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية بين "كفار أوروبا"، وعلى الرغم من أن الكفر سوف يكون واقياً لهم من أن ينسبوا عند القوم إلى "الخوارج"، إلا أن الخوف في أن يـُسلم بعض هؤلاء بسبب ما يراه من حسن الشرع وكماله لا سيما مع استمرار كثير من الدعاة السلفيين -بحمد الله تبارك وتعالى- في مشارق الدنيا ومغاربها في بيان حسن الشرع وتمامه، ووجوب تطبيقه، وما يعود على الناس من نفع من جراء ذلك في الدنيا والآخرة، رغم ما يتناثر عليهم من أحجار هؤلاء الناصحين.
والسؤال المضحك المبكي هو الآخر لإخواننا أصحاب الحساسية من الحاكمية: "ماذا ستفعلون في جموع الداخلين الجدد في الإسلام في أوربا وأمريكا والذين سيأتونكم "خوارج جاهزين" -على حد زعمكم-، ولن يكونوا حينئذ في حاجة إلى كتاباتنا ولا كتابات غيرنا.
بالطبع هذه ليست دعوة لهم لكي يحولوا هجومهم إلى أصحاب هذه الدعوات في أوربا؛ لأنه إن كان ولا بد لهم من دعوة فلتكن بين أظهرنا، نحن أولى باحتمالها من باب: "إذا بليتم فاستتروا".
