شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بين معرفة الله ومعرفة وجود الله

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ثم إن المتأمل لمعظم المواطن التي تعرض فيها القرآن لقضية الخلق؛ وجده يعرض لها عرض المقرر للخصم بما هو متفق عليه قبل الانتقال إلى غيره، بل إن أول أمر في سياق المصحف قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:21) .

ولتوضيح هذه الشبهة والتي قبلها نقول:

الرب بمعنى: المصلح لشأن غيره، والسيد، والمالك، وورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ربًّا أي: سيدًا وإلهًا، فالإله أحد معاني الرب ، وبينهما تلازم عقلي، وهو أن من أقر بأن الله هو الخالق الرازق المدبر؛ فيلزمه -عقلاً- أن يقر بأنه وحده المستحق للعبادة.

وأن القرآن في خطابه مع من أقر بالأول دون الثاني -وهم معظم المشركين كما بينا- قد نعى عليهم تناقضهم واضطرابهم، وإقرارهم بالشيء مع جحودهم للازمه.

وبعبارة أخرى: فإن القرآن قد قرر قاعدة: "من خَلَق؛ يُعبَد" ، وإن المشركين أصروا على عبادة غير الخالق؛ لكي يقربهم إلى الخالق!.

3- وإذا تبين هذا؛ تبين أن تقسيم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة تقسيم اصطلاحي لم يزد على الحقائق الشرعية أو ينقص منها شيئًا، وإنما كشف عوار من أرادوا النقص عن المعاني الشرعية للتوحيد الذي هو أصل دعوة جميع الرسل، ومثل هذا مما يقال فيه: "لا مشاحة في الاصطلاح".

وفرق بين المصطلح الذي يخفي تحته معنى من اختراع صاحبه، وبين المصطلح الذي يمثل نوعًا من اختصار الكلام والإيجاز فيه على النحو الذي عهدته العرب من الفصاحة والاختصار في كلامها، وما عهده أصحاب كل العلوم من وضع المصطلحات التي تغنيهم عن إعادة الكلام.

وإذا أردت أن تعرف الفرق بين الحالين؛ فقم باستبدال مصطلحات: "توحيد الربوبية" و"توحيد الألوهية" في سياق الكلام السابق، وضع مكان كل منهما جملة أو جملتين تشرح معـناهما؛ فإذا وجدت أن المعنى ما زال مستقيمًا، موافقًا للكتاب والسنة -وهو كذلك بإذن الله-؛ فاعلم أن هذا من المصطلحات التي يقال فيها: "لا مشاحة في الاصطلاح".

وإنه في مقام المناظرة بوسعنا أن نتجنب هذه المصطلحات، والاستعاضة عنها بتلك الجمل الطويلة قطعًا لسبل الحيدة والعلل التي يتعلل بها المتعللون (2) .

وللتأكيد على أن الاصطلاح لا يكون مقصودا لذاته عند السلفيين، وفي هذه القضية بالذات، نقول: إن من علماء المنهج السلفي ممن تربى على تراث شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من وجد أن ضم توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات في قسم واحد سوف يعين على وضوح الفكرة؛ لما بينهما من المشاكلة في أنهما يدوران حول المعرفة الصحيحة بالله -تعالى-، وسماه: "توحيد المعرف والإثبات" في مقابلة "توحيد الألوهية" الذي سماه: بـ"توحيد القصد والطلب"، وسار هذا التقسيم في كتب من أكثر الكتب تداولاً وتدارسًا بين أتباع المنهج السلفي، وهو أرجوزة "سلم الوصول" وشرحها "معارج القبول" للشيخ حافظ حكمي -رحمه الله-.

بيد أن هذا التقسيم لا يعني أن توحيد الألوهية خارج عن "معرفة الله"، فإن معرفة الله تكون بمعرفته بربوبيته، وتكون بأسمائه وصفاته، وتكون بمعرفة حقه علينا، وهو أن نعبده ولا نشرك به شيئًا، وهو توحيد الألوهية كما في حديث معاذ -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلى حِمارٍ يُقالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: ( يَا مُعاذُ، هَلْ تَدْري حَقَّ اللهِ عَلى عِبادِهِ، وَما حَقُّ الْعِبادِ عَلى اللهِ؟ ) قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ( فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلى الْعِبادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبادِ عَلى اللهِ: أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: ( لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ) (متفق عليه) .

وتكون بمعرفة شرعه وأحكامه، وتكون بمعرفة مآل أهل طاعته، ومآل أهل معصيته كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) (النساء:17) ، قال: "كل من عصى الله؛ فقد عصاه بجهالة".

وعلى هذا؛ فمصطلح: "معرفة الله" عند السلفيين أعم بكثير من معناه عند المتكلمين والصوفية، رغم أن الصوفية قد يستخدمونه في حق من يصل عندهم إلى الكشف -في زعمهم-؛ فيسمونه "عارفًا بالله"، وإن كان هذا خارجًا عن موضوع بحثنا الآن.

وإن كان أهم جوانب معرفة الله -عز وجل- هو: التوحيد بجميع أقسامه، كما قال الشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- في أرجوزته:

أول واجـــب عــلى العــبـيد معرفة الرحمن بالتوحـيد

إذ هو من كل الأوامر أعظم وهو نوعان أيا من يفهم

ولعله انتزع هذه الأبيات من حديث معاذ لما أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل اليمن، فقال: ( إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلى قَوْمِ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: عِبادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذا فَعَلُوا؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوالِهِمْ، وَتَردُّ عَلى فُقَرائِهِمْ، فَإِذا أَطَاعُوا بِها؛ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرائِم أَمْوالِ النَّاسِ ) (متفق عليه) (3) .

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مسائله على هذا الباب: "وفيه أن من لم يوحد الله؛ لم يعرفه"، مع أن الكلام على أهل الكتاب الذين معهم قدر من المعرفة، ولكنها معرفة لا تنجيهم؛ طالما لم يعرفوا الله بالتوحيد.

وبهذا يتضح -بحمد الله تبارك وتعالى- سلامة منهج شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله-، وعامة السلفيين في مسألة: "التوحيد والمعرفة".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصفحة السابقة الصفحة التالية