شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

بين معرفة الله ومعرفة وجود الله

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

(1) وفي دراسة لجريدة الأهرام بعنوان: "السلفية بين الماضي والحاضر"، نـُشر منها حلقتان في عددي الجمعة 24/10/2008، والجمعة 31/10/2008، وهي أشبه بتحقيق صحفي حول السلفية، استطلعت فيه آراء بعض العلماء والمفكرين فمن مؤيد ومن معارض، ومن هو بين بين، ومن جملة ما أوردته على لسان أحد المعترضين: الاعتراض على هذه الجزئية بالاعتراض الأول والثاني. ونسأل الله أن ييسر تناول كل ما تناولته هذه الدراسة من اعتراضات.

(2) وطالما أن الكلام يتعلق بالسلفية، فمن المناسب أن نذكر أن الشيخ الألباني -رحمه الله- قد استخدم تلك الحجة في مواجهة من أنكر عليه التسمي باسم "السلفية"، فقرره بلزوم الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وإنه بدون هذا القيد الأخير؛ فلن يتميز منهجنا عن كل المذاهب البدعية أو جلها على الأقل.

ثم بعد هذا التقرير سأله: هل يوجد مانع شرعي من اختصار هذه الجملة الطويلة: "أنا مسلم أتبع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة" بكلمة واحدة هي: "أنا سلفي"؟!

(3) ومن عجائب هذا الزمان أن تجد من ينتسب إلى السنة ولا هَمَّ له إلا انتقاد أهلها تحت مسمى: النصيحة، والناصح هو: الذي تسوؤه أخطاء المسلمين لاسيما دعاة السنة منهم، فيسعى إلى إزالتها وتخليصها، وأما من يفرح بالسقطات؛ فهو من أبعد من يكون عن النصيحة، ولكن الفرح بالسقطات وإن بدا في لحن قول صاحبه، فحسبك أن هيأ الله لك من أهدى إليك سقطاتك!

وأما من يتعسف في اختلاق سقطات لا وجود لها إلا في ذهنه، وربما لا وجود لها إلا في مداد قلمه! فهذا من جملة البلاء الذي علاجه الصبر على الأذى ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف:18) .

ومن ذلك كتاب ألفه "أحدهم" في نقد كتاب "شرح منة الرحمن" لشيخنا "ياسر برهامي" -حفظه الله-، نظرنا فيه لعلنا نجد فيه ما يستحق الإجابة، فإذا به "يظهر من عنوانه" -كما يقولون- حيث افتتح تصويباته وانتقاداته بنقد قول الشيخ: "ومعرفة الله أول الواجبات"، فأخذها وطار بها زاعمًا أن هذا هو قول الأشاعرة!!، وأخذ ينعي على من درس هذا الكتاب، وكيف تربوا على منهج الأشاعرة دون أن يدروا!!

ولم يشر أو لم ينتبه أن الشيخ ذكر ذلك في معرض بيان أهمية التوحيد -لاسيما توحيد الأسماء والصفات-، وأن الشيخ قد استدل على ذلك بحديث معاذ -رضي الله عنه-، وهو نص في المسألة ولكنه لم ينتبه!

وإن هذه الغفلة المفرطة من رجل زعم أنه رصد هذه الأخطاء منذ سنوات، ولكنه انتظر لعل أحد من أهل العلم يرد هذه الأخطاء، فلم يفعل ذلك أحد -طبعًا-؛ لأنه لم يؤت أحد مثل حاسته الثاقبة في استخلاص آثار الأشعرية وإن كانت بين آيات وأحاديث نبوية وآثار سلفية-، إذن فالأمر لا يحتمل غفلة طارئة وإن احتمل غيرها!!

فقلنا: لعل الرجل لديه نفور خاص من كلمة المعرفة؛ ظنًّا منه أنها كلمة لم تعرف في تاريخ العرب إلا على يد الأشاعرة مثلاً! وأنه لا يرى الرجل سلفيًّا -وإن كان شعاره: "التوحيد أولاً لو كانوا يعلمون"- إلا إذا حذف كلمة المعرفة من كلامه؛ بيد أن هذا الاحتمال سرعان ما تبدد عندما أخذ صاحبنا يحشد النقول السلفية التي فيها أن السلف قالوا: بأن أول واجب هو التوحيد لا المعرفة. فذكر منها أبيات الشيخ حافظ حكمي:

أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد

فأخذت أقلب الكلام ظهرًا لبطن، وبطنًا لظهر علـَّني أجد فرقًا بين ما انتقده من نثر كلام شيخنا الذي فيه عنوان جانبي يوضح الكلام على أهمية توحيد المعرفة والإثبات، وفيه حديث نبوي يبين المعرفة التي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا -رضي الله عنه- أن يبدأ بها، وبين أبيات الشعر التي استشهد بها على نقض الكلام السابق.

فأردت أن أتسلى بما أصاب أئمة السلف من جراء هذه النوعية من النقاد، فحضرني محنة البخاري عندما تكلم بمحضر بعض هؤلاء النقاد عن خلق أفعال العباد، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأما قراءة القارئ للقرآن؛ فهي من عمله الذي يدخل في عموم قوله -تعالى-: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (الصافات:96) .

فوجدت أن المحنة في كتاب صاحبنا أشد، حيث ذكر من الأخطاء الفادحة التي لم ينتبه إليها غيره عده أن أعمال العباد مخلوقة، وصاحبنا يريده أن يستثني من ذلك الإيمان، فهو على حد زعم ذلك الزاعم غير مخلوق، مع أنه في نفس الوقت يرى أن الإيمان قول وعمل!!.

وفي نهاية المطاف أجد نفسي مضطرًا إلى الاعتذار للقارئ الكريم على أن شغبت عليه بذكر مثل ذلك الكلام، وإنما اضطرني إلى ذلك أن هناك بعض المحبين يرغبون في الرد، ونحن نقول لهم: لو وجدنا كلامًا -حقًّا كان أو باطلا- له خطام وزمام؛ لقبلنا الحق، ولفندنا الباطل، وأما والأمر على ما ترون؛ ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ).

الصفحة السابقة