شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الطلاق والحكمة المفقودة

أحمد عبد السلام • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الشريعة الإسلامية المطهرة تقوم في أحكامها على العدل والإحسان ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ) (النحل:90) ، ولذلك؛ تجدها شريعة وسطًا بين الإفراط والتفريط، والجفاء والغلو، ومن هذه الأحكام التي يتجلى فيها ذلك: الطلاق، فمشروعية الطلاق في الإسلام بين المنع التام الذي عند بعض طوائف النصارى، والإباحة المطلقة كما كان عند العرب في الجاهلية، فكان العربي في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء ومتى شاء، ويعلقها ثم يردها إذا شاء، بلا عدد، مما يسبب ضرر ً ا بالغ ً ا للمرأة .

وجاء النصارى فمنعوا الطلاق وحرموه؛ مما أوقعهم في حرج بالغ عندما يحدث الشقاق والضرر والنفرة بين الزوجين، فجاءت الشريعة الكاملة بحكم وسط محفوف بآداب وأحكام لو التزم بها الخلق؛ لسعدوا في الدنيا والآخرة.

وما يعيش فيه كثير من المسلمين من حرج ومشقة إنما هو بسبب إعراضهم عن هذه الأحكام وجهلهم بهذه الآداب، فتجد كثيرًا ممن لا يتقون الله في أنفسهم ولا أهليهم يكثر الحلف بالطلاق، أو يطلق -فعلاً- مرات متعددة دون رويَّة ولا تعقـُّل، ولا التزام بأحكام الشرع المطهر، ثم يندم على ما فعل، ويبحث له عن مخرج، فيذهب يمنة ويسرة؛ يبحث عن رخصة هنا أو هناك؛ لكي يستحل ما حرم الله، فيلعب بكتاب الله، فمثل ذلك يقال له كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- لرجل طلق امرأته مائة أو ألفًا: "يركب أحدكم الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس؟!" ويقال له -أيضًا-: "أنت لم تتقِ الله فيجعل الله لك فرجًا ومخرجًا".

فنلقي الضوء على بعض أحكام وآداب الطلاق في الإسلام:

1- حكمه: الطلاق مكروه في الإسلام بلا حاجة، وذهب بعض العلماء إلى تحريمه مع استقامة الحال، وأدلة كراهته الصحيحة كثيرة منها:

أ- قوله -تعالى-: ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) (النساء:19) ، فمع كراهة المرأة رغـَّب في إمساكها؛ لما يترتب على ذلك من خير كثير كصلة رحم وولد صالح وغير ذلك.

ب- قوله -تعالى-: ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:226-227) ، فقال في فيئة الرجل ومعاشرته لأهله: ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) للترغيب، وقال في الطلاق: ( سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) للترهيب.

ج- قوله -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (الروم:21) ، ولا شك أن الطلاق ينافي السكن، وينافي المودة والرحمة، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى البغضاء والشحناء التي حذر منها الشرع.

وفي الأحاديث:

أ- ما رواه مسلم مرفوع ً ا: ( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيء أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيء أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ )، فكون الطلاق محبوبًا للشيطان لا شك أنه لا يكون محبوبًا للرحمن. كيف لا، وفيه فراق وكسر للمرأة وقطع للوئام بين الزوجين؟! ولذلك رغـَّبت الشريعة في الموازنة بين محاسن المرأة ومساوئها؛ لكي لا يبغضها الرجل.

ب- روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا؛ رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ )، وهذا يؤدي إلى التوازن وعدم المسارعة في الطلاق عند وجود عيب أو ما يكره؛ لأنه سيجد ما يحب.

ج- روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا؛ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا؛ كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا ).

فالحديث فيه وصية للرجل بتحمل المرأة والصبر عليها، وليكن واقعيًّا، فهي من بنات آدم، فلن يجد كل ما يحب، فلا شك أن فيه ترغيب في الإمساك، ثم قوله: ( وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا )، فسمى الطلاق كسرًا، ولا شك أن كسر المسلمة أمر مذموم شرعًا خاصة إذا كان بلا حاجة.

2- ومن محاسن الشريعة وحكمة العليم الحكيم أن جعل الطلاق بيد الرجل؛ لأنه أثبت قلبًا وأقوى نفسًا، وأصبر على المكاره، وأضبط لعواطفه من المرأة، كما أن الرجل هو الذي يتكلف ويقوم بأمور الزواج، وهو الذي سيغرم في الطلاق بدفع المهر كاملاً، أو نصفه مع نفقة المتعة، فكل ذلك أدعى إلى التريث والتعقل في أمر الطلاق.

3- أن الطلاق محصور بعدد، وهو الثلاث؛ لقوله -تعالى-: ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) (البقرة:229-230) ، وهذا العدد يحفظ كرامة المرأة ولا يجعلها ألعوبة بيد الرجل.

كما أنه وسط بين الإطلاق والمنع، ولذلك:

الصفحة التالية