فتن تعرض لها الحرم المكي
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد ؛
فقد مرت على الحرم المكي أحداث كبيرة، وتعرض لفتن عصيبة خلال تاريخ الكعبة الطويل، ولكن الله -تعالى- حفظ بيته وأبقاه لنا مثابة للناس وأمن ً ا، وإن عانت الأمة من هذه الأحداث ؛ فإن مواجعها لم تدم طويلاً، ولله الحمد والمنة. ومن هذه الفتن الجسام:
محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة:
حيث صرف الله -تعالى- عن قريش أصحاب الفيل الذين عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله عن آخرهم، وردهم شر خيبة، ورغم أن أصحاب الفيل كانوا نصارى، أي : دينهم أقرب حالاً من كفار قريش الذين يعبدون الأوثان، فلم تنصر قريش لخيريتها، و ل كن صيانة للبيت العتيق الذي شرف ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، فإن ذلك وقع في العام الذي ولد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقصة أصحاب الفيل - بإيجاز - :
أن أبرهة الحبشي لما استقل بحكم اليمن من قبل النجاشي ؛ بنى كنيسة عظيمة بصنعاء لم يبن قبلها مثلها، سمتها العرب : "القـُلـَّيْس" ؛ لارتفاعها، بحيث إ ن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها.
وعزم أبرهة الأشرم أن يجعل حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى في الناس بذلك، فكرهت العرب ذلك، وغضبت لذلك قريش غضب ً ا شديد ً ا، فقصدها أحدهم ودخلها ليلاً وأحدث فيها، وكرَّ راجعاً، فلما علم أبرهة بذلك أقسم أن يسير إلى الكعبة ؛ ليخربنها حجر ً ا حجر ً ا، فصار أبرهة في جيش عظيم ؛ لئلا يصده عن البيت أحد، واستصحب معها فيلاً عظيم ً ا لم يُرَ مثله –وقيل : عدة أفيال-، فلما سمعت العرب بأمره ؛ حاولوا رده، فتصدى له "ذو نفر" من أشراف مكة ومعه قومه، فهزمهم أبرهة.
فلما بلغ أرض خثعم ؛ اعترضه نفيل بن حبيب الخثعمي ومعه قومه، فهزمهم أبرهة، ف ل ما بلغ الطائف ؛ صانعه أهل ثقيف ؛ خشية أن يهدم بيتهم "اللات" الذي يقدسونه، ف ل ما بلغ أبرهة مكة ؛ أدرك أهلها أنهم لا قبل لهم بأبرهة وجيشه، فخرجوا إلى ر ء وس الجبال ؛ للتحصن بها.
فعبأ أبرهة جيشه وتهيأ لمحو الكعبة من الوجود، فطفق الفيل الذي معه يأبى التحرك تجاه الكعبة، فإذا وُجِّه إلى غير وجهة الكعبة ؛ تحرك وهرول، وإذا وُجِّه إلى جهة الكعبة ؛ برك وامتنع ، ثم أرسل الله -تعالى- طير ً ا من جهة البحر في جماعات متتابعة، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره، وحجران في رجليه، فألقوا بالحجارة على جيش أبرهة، فكانت من شدتها وصلابتها إذا أصابت الجندي من جيش أبرهة أهلكته، ففر من بقي من الجيش راجعين إلى بلادهم، وهم يتساقطون بكل طريق، وأصيب أبرهة فحملوه معهم، فأتوا به صنعاء اليمن فمات هناك متأثر ً ا بما أصابه، واستولت قريش على أسلاب الجيش ، وفي شأن هذه القصة العجيبة نزلت سورة " الفيل " في القرآن الكريم ؛ لتكون آيات تتلى تمجد ذكرها إلى يوم القيامة.
حصار مكة والحرم في عهد عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-:
لما توفي معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، وجاء الخبر بالبيعة ليزيد بن معاوية إلى المدينة، خرج الحسين -رضي الله عنه- إلى العراق، ف ل ما قتل -رضي الله عنه- بكربلاء؛ تفرد عبد الله بن الزبير بالمكانة العالية في مكة، واستقل بها، فجاء لمكة جيش من قبل يزيد بن معاوية بقيادة حصين بن نمير، فاقتتل الطرفان قتالاً شديدًا، ونصب جيش يزيد المنجنيق فرموا به مكة والحرم، واحترق جدار البيت، فلما بلغ جيش يزيد نعي يزيد؛ انصرف عائدًا إلى الشام.
واستفحل أمر ابن الزبير فبويع له الخلافة في كثير من البلاد الإسلامية، وذلك عام 64هـ، وفيه هدم ابن الزبير الكعبة لما مال جدارها من رمي المنجنيق، وبلغ أساس إبراهيم -عليه السلام-، فأعاد بناء الكعبة على ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يبنيها عليه من الشكل، كما في الحديث الذي في " الصحيحين " عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: ( إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ ) قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: ( فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافَ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ؛ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ - الْحِجْر- فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ ).
ولما بويع بالخلافة لعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- عام 64هـ عارضه مروان بن الحكم وأهل الشام، فلما مات مروان، وتولى بعده عبد الملك بن مروان ؛ بعث الحجاج بن يوسف لقتال ابن الزبير في مكة، فحاصرها، ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس ؛ ليرمي به المسجد الحرام الذي اعتصم به ابن الزبير وأتباعه، وما زال الحجاج يقاتل ابن الزبير حتى ظفر به وقتله سنة 73هـ، فاستقرت الخلافة لعبد الملك بن مروان وبني أمية من جديد، وهدم الحجاج الحائط الشمالي وأخرج الحِجر كما كان - أولاً - بأمر من الخليفة عبد الملك بن مروان، ولم يكن قد بلغه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما بلغه الحديث ؛ قال: "وددنا أنا تركناه وما تولى - يعني : ابن الزبير- من ذلك" .
إلحاد الشيعة القرامطة في الحرم المكي:
للشيعة مواقف تدل على استهانتهم بالكعبة وقلة تعظيمهم لها، خاصة غلاتهم ، وقد بلغ الأمر أشده فيما اقترفه الشيعة القرامطة في الحرم المكي، والقرامطة من أدق ما عرف من الجمعيات السرية في التاريخ، وحركتهم حركة باطنية انفصلت عن الشيعة الإسماعيلية، وهي نسبة إلى "حمدان قرمط"، اتبعه على ضلاله كثير من العرب وغيرهم، واستفحل خطرهم، وارتكبوا فظائع وجرائم كبيرة.
