شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الولاء والبراء بين الحج ومؤتمرات حوار الأديان

الشيخ ياسر برهامي • المسلمون حول العالم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجته على مخالفة المشركين، والتأكيد على البراء منهم في مواقف عديدة، منها:

ما تتضمنه التلبية من نفي الشريك عن الله -عز وجل- : "لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". ومخالفة المشركين الذين كانوا يزيدون فيها: "إلا شريك ً ا هو لك ، ملكته وما ملك".

ومنها : الاعتمار في أشهر الحج؛ مخالفة للمشركين الذين كانوا يرون من أفجر الفجور الاعتمار في أشهر الحج، فاعتمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عُمَرَهُ الأربع في ذي القعدة، وأمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي بفسخ حجهم إلى عمرة.

ومنها : مشروعية الرمل والاضطباع الذي شرع أصلا ً؛ لإغاظة المشركين، وإظهار القوة أمامهم، ثم بقي الأمران مشروعان بعد أن نفى الله الشرك وأهله؛ ليستحضر كل مسلم - وهو يفعلهما - نية إغاظة الكفار وإظهار القوة أمامهم، لا الضعف والهوان والتبعية لهم.

ومنها : قراءة سورة: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )، وسورة: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) في ركعتي الطواف، والسورة الأولى سماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم - براءة من الشرك، وفيها خطاب الكفار بوصف الكفر، وإظهار المفارقة التامة لهم لا المساواة بين الأديان.

وخاتمتها إبطالٌ لوحدة الأديان -كما يزعم المنافقون- بقوله -تعالى- آمرا نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقولها لكل أصحاب الملل: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (الكافرون:6) ، على البراءة منهم لا على الإقرار بشركهم، ومللهم الكافرة.

وسورة " الإخلاص " براءة خاصة من كفار أهل الكتاب -اليهود والنصارى- الذين قالوا باتخاذ الله ولد ً ا ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (التوبة:30) .

ومنها : ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الوقوف بمزدلفة في طريقه إلى عرفة؛ مخالفة لأهل الجاهلية من قريش حيث كانوا يقفون بمزدلفة بدلاً من عرفة ، ويقولون: "نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه"، فتجاوزها النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى وصل عرفة، ووقف بها ؛ امتثالاً لأمر الله -تعالى-: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) (البقرة:199) ، أي : من عرفة، لا من مزدلفة كما كانت قريش تفعله في الجاهلية.

ومنها : خطبته -صلى الله عليه وسلم- العظيمة بعرفة، وقد هدم فيها الجاهلية كلها ووضعها تحت قدميه ؛ حيث قال فيها: ( أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِى سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ) ( رواه مسلم ) .

ومنها : دفعه -صلى الله عليه وسلم- من مزدلفة قبل شروق الشمس؛ مخالفة للمشركين الذين كانوا يدفعون بعد ما تطلع الشمس من يوم النحر قائلين أشْرِقْ ثـَبِيرُ -وهو جبل بمزدلفة- كيْما نـُغيرُ - أي : ندفع إلى منى-.

ومنها : نزوله -صلى الله عليه وسلم- بالمحصب بعد أيام منى حيث تقاسم أهل الكفر على كفرهم، واتفقوا على حصار بني هاشم، فنزل به النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ إظهار ً ا للإسلام في مكان أظهروا فيه يوم ً ا أعمال الكفر.

ولو تتبعنا المواقف والأقوال والأفعال ؛ لوصلنا إلى أكثر من ذلك في تأكيد هذا المعنى، وهو : معنى البراء والمخالفة للشرك وأهله في هذه العبارة العظيمة التي هي في أصل مشروعيتها فارقة لأهل الإسلام عن أهل الكفر من اليهود والنصارى ا لذي ن زعموا متابعة إبراهيم وأنهم مسلمون لله، وأرادوا أن يحجوا إلى البيت الذي بناه إبراهيم فأنزل الله في ذلك: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران:97) .

وهذه القضية من أعظم القضايا رسوخ ً ا في نفس المؤمن، ومن أعظمها بيان ً ا في القرآن والسنة؛ لأنه لا تثبت حقيقة الإيمان، بل حقيقة كلمة التوحيد إلا بها، فالمؤمن لا يقول في إثبات إسلامه وإيمانه: "الله إلهي"، بل يقول -ولا بد أن يقول-: "لا إله إلا الله"، وبدونها لا يثبت إسلام الكافر.

فهو لا بد أن ينفي الملل الباطلة كلها ويبطل كل عبادة لغير الله، منه ومن غيره، ويثبت العبادة كلها لله وحده لا شريك له، وقد بين الله -عز وجل- ذلك في كتابه فقال: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الزخرف:26-28) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغير واحد من السلف: "هي كلمة "لا إله إلا الله" لا يزال في ذريته من يقولها"، فجعل هذه البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وهذه الموالاة لله وحده هي حقيقة قول: "لا إله إلا الله".

الصفحة التالية