أنسترد الأندلس أم نفقد أخريات
السيد عبد الهادي • المسلمون حول العالم
وهي التي بقيت تجاهد الصليبيين الإسبان قرابة قرنين ونصف حتى سقطت سـ897ـنة هـ، ويمتاز هذا العهد باستنجاد أهل غرناطة ببني مرين حكام المغرب وارثي الموحدين، وحدوث عدة معارك بين المسلمين والصليبيين.
سقوط المدن الأندلسية تباعاً وأسباب ذلك
حصل للأندلسيين ضعف شديد وذلة منذ أواسط القرن الخامس، وصاروا يهادنون ملوك إسبانيا الشمالية ويدفعون لهم الجزية، حتى إن المعتمد بن عباد -وهو أعظم ملوك الأندلس- كان يدفع جزية سنوية إلى الأذفونش -ألفونسو-، ونتج عن هذا الضعف والتفكك سقوط المدن تباعاً في أيدي الصليبيين.
وأما أسباب السقوط فأوجزها بما يلي:
أولا: تعدد الإمارات وعداوة بعضها لبعض:
كانت مدن الجزيرة الأندلسية درراً منتظمة في سلك واحد، وواسطة العقد الأمير أو الخليفة، ثم انفرط هذا العقد، وصدأت جواهره، فدب الخلاف، وعمت العداوة بين أمراء المدن الذين أعلنوها إمارات مستقلة، ولدت ميتة قبل موتها:
ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق، إلى أن طما بمترفيها سيل العناد والنفاق، فانحاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط رأسه، وجعله معقلا يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عقر داره، إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعاديهم.
ثانيا: الخلاف:
وهو ما حذر منه الله -تعالى- بقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) (آل عمران:105) .
وفي قوله -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103) ، دلالة واضحة على وجوب الاجتماع، وليس أدلُ على مغبة الاختلاف وعاقبته الوخيمة من الخلاف على السلطة في عهد الطوائف؛ حيث تعددت الخلافة وكثرت الممالك، وتفرقت الكلمة، وصار في الأندلس عدة ملوك، إذ اجتمع في نفس الوقت أربعة يدعون بأمير المؤمنين في رقعة من الأندلس مقدار ما بينهم ثلاثون فرسخا -الفرسخ: ثلاثة أميال- في مثلها، وغلب على كل قطر متغلب، منهم من تسمى بالمأمون، ومنهم من تسمى بالمعتمد، وآخر بالمتوكل، حتى قال الحسن بن رشيق:
مما يزهدني في أرض أنـدلسٍ سـمـاعُ مـعـتصـمٍ فـيها ومُعـتـَضِـدِ
ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها كالهِرِّ يَحكي انتفاخاً صولةَ الأسدِ
فاتحاد السلطة في مثل هذه الأوطان واجب قياساً وسماعاً، وتعدد الخلافة في مثل هذه المسافة غير جائز إجماعاً.
ثالثا: المعاصي والترف:
وهذان داءان لا دواء لهما إلا الاستقامة على الشرع، وهذا كان أمراً لا يتوافر لأمراء ذلك الوقت، ولم تزل المعاصي والترف من أسباب هلاك الأمم، وما أصدق قول ابن تاشفين حين برر سبب دخوله الأندلس:
"إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم -الإسبان- لما رأينا استيلاءهم على أكثرها وغفلة ملوكهم -أي الأندلسيين- وعمالهم -أي نوابهم- عن الغزو وتواكلهم وتخاذلهم، وإيثارهم الراحة، وإنما همة أحدهم كأس يشربها، وقينة -مغنية- تـُسمعه، ولهو يقطع به أيامه، ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي تملكها الروم في طول هذه الفتنة للمسلمين، ولأملأنها عليهم خيلا ورجالا لا عهد لهم بالدعة -الراحة-، ولا علم عندهم برخاء العيش وإنما همُّ أحدهم فرس يروضه ويستنفره، أو سلاح يستجيده، أو صريخ يلبي دعوته".
رابعا: إهمال أمر الجند:
إذ الجند عماد المعركة، وإهمالُ أمرهم، وعدمُ الاهتمام بتسليحِهِم وتدريبِهم وزيادةِ عددهم خيانةٌ لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، كيف لا وقد قال -تعالى-: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60) ؟!
ولقد قصـَّر حكام الأندلس في هذا المجال كثيراً، فهذا أبو الحسن أمير غرناطة قد ضَيَّع الجند، وأسقط كثيراً من نجدة الفرسان، ووزيره يضبط المغارم ويثقلها، ويجهل كل من فيه نجدة وشجاعة من الفرسان، ويقطع عنهم المعروف والإحسان، حتى باع الجندُ ثيابهم وخيلَهم وآلة حربهم، وأكلوا أثمانها، وقتلَ كثيراً من أهل الرأي والتدبير، والرؤساء، والشجعان من أهل الأندلس وحصونها.
وفي معركة العقاب يذكر الذهبي -رحمه الله- أن أكبر أسباب الهزيمة غضب الجند من تأخر عطائهم.
خامسا: تجمع جيوش الكفر على المسلمين:
ففي وقعة العقاب سار "ألفونسو" في أقصى الممالك يستنفر عباد الصليب، فاجتمعت له جيوش ما سمع بمثلها، ونجدته فرنج الشام وعساكر قسطنطينية، وملك "أرغون" البرشلوني.
سادسا: بطء نجدة المسلمين لإخوانهم:
فقد كان وصولها بعد سقوط المدينة، أو أنها لا تصل على الإطلاق، إذ من يتصور -أخي القارئ- أن تحاصر طليطلة سبع سنوات كاملة دون أن ينجدها أحد حتى تسقط، وهذه بلنسية تحاصر عشرين شهراً حتى أكل الناس الفئران، والكلاب، والجيف، ووصل بهم الأمر إلى أن من مات منهم أكلوه، ثم سقطت بعد ذلك.
ثم إن أهل بلنسية استغاثوا بصاحب تونس أبي زكريا ابن أبي حفص، ولكنه قدم متأخرا.
ووجه بعد ذلك الأمير يوسف بن تاشفين من فتحها مرة أخرى، ثم سقطت سقوطها الأخير بعد ذلك.
وهذه سرفسطة تحاصر سبعة شهور، وقيل: تسعة شهور.
وأشبيلية سقطت بعد أعمال حربية استغرقت عدة سنوات وحصار لمدة سنة ونصف.
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
"ولقد نزل بنا العدو -قصمه الله تعالى- سـ527ـنة هـ، فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا، فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله قد حصل في الشبكة فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط بهم فإنه هالك لا محالة، فغلبت الذنوب، ورجفت بالمعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره -جحره- وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون".
سابعا: مراوغة الإسبان لحكام المسلمين وأخذهم إياهم بالحيلة والخداع والمكر: