شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أنسترد الأندلس أم نفقد أخريات

السيد عبد الهادي • المسلمون حول العالم

وغفلة المسلمين شعوباً وحكاماً عما يراد بهم، ومن استقرأ التواريخ المنصوصة، وأخبار الملوك المقصوصة، علم أن النصارى -دمرهم الله تعالى- لم يدركوا في المسلمين ثاراً، ولم يخربوا من الجزيرة منازل ودياراً، إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف، وتضريبهم بالمكر والخداع بين ملوك الجزيرة، وتحريشهم بالكيد والخِلابة -أي الخداع- بين حماتها في الفتن المبيرة -المهلكة-.

ثامنا: ضعف عقيدة الولاء والبراء عند كثير من الأحكام الأندلسيين:

وهناك أمثلة تخرج عن حد الحصر، ولكني سأورد بعضها مما يـُبكي ويـُنكي:

أ- أراد ملك طليطلة المأمون أن يستنجد بالفرنجة على تملك مدائن الأندلس، فكاتب طاغيتهم أن تعالَ في مائة فارس والملتقى في مكان كذا، فسار في مائتين وأقبل الطاغية في ستة آلاف وجعلهم كميناً له، وقال: إذا رأيتمونا قد اجتمعنا فأحيطوا بنا، فلما اجتمع الملكان أحاط بهما الجيش، فندم المأمون وحار، فقال الفرنجي: يا يحيى -وهو اسم المأمون- وحق الإنجيل كنت أظنك عاقلا، وأنت أحمق، جئت إلي وسلمت مهجتك بلا عهد ولا عقد، فلا نجوت مني حتى تعطيني ما أطلب، قال: فاقتصد، فسمى له حصوناً وقرر عليه مالاً في كل سنة، ورجع ذليلاً مخذولاً، وذلك بما قدمت يداه".

ب- وهذا محمد بن يوسف بن هود سلطان الأندلس قام عليه شعيب بن هلالة بـ"لبْلـَة" فاتفق ابن هود مع ألفونسو على محاصرة لبلة ومعاونته على أن يعطيه قرطبة، واتفقا على ذلك، وقال له: لا يسوغ أن يدخلها الفرنج على البديهة، وإنما تهمل أمرها وتخليها من حرس، ووجه أنت الفرنج يتعلقون بأسوارها بالليل ويغدرون بها ففعلوا ذلك.

ووجه ابن هود إلى واليه بقرطبة فأعلمه بذلك وأمره بضياعها من حيز الشرقية، فجاء الفرنج فوجدوه خاليا فجعلوا السلالم واستولوا على السور، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وكانت قرطبة مدينتين إحداهما الشرقية، والأخرى المدينة العظمى، فقامت الصيحة والناس في صلاة الفجر، فركب الجند وقالوا للوالي: اخرج بنا للملتقى فقال: اصبروا حتى يضحى النهار!! فلما أضحى ركب وخرج معهم، فلما أشرف على الفرنج قال: ارجعوا حتى ألبس سلاحي!! فرجع بهم وهم يصدقون، وذا أمر قد دبر بليل، فدخل الفرنج على إثرهم وانتشروا وهرب الناس إلى البلد، وقتل خلق من الشيوخ والولدان والنسوان، ونهب للناس ما لا يحصى، وانحصرت المدينة العظمى بالخلق فحاصرهم الفرنج شهورا، وقاتلوهم أشد القتال، وعدم أهلها الأقوات، ومات خلق كثير جوعا، ثم اتفق رأيهم مع أذفونش -لعنه الله- على أن يسلموها ويخرجوا بأمتعتهم كلها، ففعل ووفى لهم ووصلهم إلى مأمنهم في سنة أربع وثلاثين وستمائة.

هكذا -أخي المسلم- تباع البلاد لقاءَ غاياتٍ رخيصة، وطلبا لمطامعَ دنيئة؛ حتى فقد الناسُ الثقة في حكامهم وقادتهم، ويتضح هذا من خلال هذا النص:

"حين استشهد حاكم سَرَقـُسْطة أبو جعفر أحمد المستعين بالله سـ503ـنة هـ، وخلفه ابنه أبو مروان عبد الملك عماد الدولة، بايعه الناس بسَرَقـُسْطة بعد ما اشترطوا عليه ألا يستخدم الروم ولا يتلبس بشيء من أمرهم".

محاولات إصلاحية

قد يسأل سائل: ألم يكن هناك دعاة لدين الله -تعالى- يحذرون الحكام المسلمين من الخلاف، وينبهونهم إلى ما سيحل بهم من العقاب؟

وهذا سؤال في محله، والجواب: بلى كان هناك دعاة إلى الاجتماع والاتحاد، ولكن الحكام لم يكونوا متعاطفين مع تلك الدعوة؛ لأنه معناها التنازل عما هم فيه من الترف والنعيم، والتسليم لخليفة واحد لا يرضونه، ولا يريدون حكمه، هذا مع ما جبلت عليه نفوسهم من حب المعاصي، والخيانة، وتذبذب الولاء والبراء، كما بينت سابقا.

هاهو الفقيه أبو الوليد الباجي يضرب مثلا مضيئا للدعاة؛ فاستمر في دعوتهم إلى الحق ما يقرب من 13 عاما، حتى توفي سـ474ـنة هـ قبل تمام غرضه -رحمه الله-.

وغيره من العلماء كذلك، منهم: ابن حزم -رحمه الله-، وابن عبد البر -رحمه الله-، وغيرهم.

توبة مطلوبة:

كان الأمير المعتمد بن عباد يرسل "الجزية" إلى ألفونسو عندما مَلَك طليطلة، ثم زاد تجبر ألفونسو واستهزاءه بالإسلام والمسلمين؛ فكانت نوبة استفاقة من المعتمد وغضبة للإسلام، وراسل ابن عباد السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين ليعبر إليه؛ نصرة للمسلمين في الأندلس، ولما علم ذلك ملوك الطوائف لاموا ابن عباد وحذروه من ذهاب ملكه -نعوذ بالله من الخذلان-، وإنما كان هم أحدهم ملكه وكرسيه، وليذهب الإسلام والمسلمين إلى...

فقال ابن عباد قولته المشهورة: "رعي الجمال خير من رعي الخنازير"، أي أنه يرضى أن يكون تابعا للمسلمين "المرابطين" ولا أن يكون ذليلا للنصارى، فهل يفقه القوم؟!

ولما كانت التوبة من المسلمين صادقة، والنصرة من إخوانهم حقيقة، قدر الله -عز وجل- لهم الفوز في معركة "الزلاقة" في رمضان سـ479ـنة هـ، وذكر العلماء أن من نتائج هذه المعركة تأخر سقوط الأندلس أربعة قرون أخرى بقدر الله -عز وجل-.

وكما كانت هناك نماذج طيبة من الاستجابات الإسلامية للصرخات الأندلسية كان هناك أيضا -وللأسف- خيانات مشينة، وما يؤتى الإسلام إلا من قـِبل الخيانة.

فمن ذلك خيانة بعض ملوك المغرب للمسلمين الأندلسيين "الموريسيكيون" وهم الذين أظهروا التنصر خوفا من محاكم الإبادة التي كانت تقام لهم؛ فقد استغاث "الموريسيكيون" بالمأمون، وذلك أن المسلمين لما كانوا في بلاد النصارى أعلمه رئيسهم بأن جلهم في الجيش، وأنهم مستعدون، وأنهم أقوام كثيرون نحو ثمانية آلاف رجل يقومون على النصارى، ويستندون في قيامهم عليهم ظنا منهم أنه مسلم ينصر المسلمين ويعينهم، ففضح بسرهم عند سلطان النصارى، وأراد أن يحرق جموعا منهم، فتشفع فيهم لأجل صداقته له، واستشار فيهم فأشار عليه أن يخرجهم من أرضه فكان الأمر كذلك.

وأما خيانته الثانية فكانت تسليم مدينة العرائش المغربية إلى الإسبان سـ1610ـة م مقابل ألف دوكا، وقد كانت مرفأ بحريا مهما لعمليات الجهاد البحري الذي كان يقوم به "الموريسيكيون" ضد النصارى، بالإضافة إلى أنها كانت ملجأ لعدد من "الموريسيكيين" الذين قرروا الاستقرار بالمنطقة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية