شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مجامع اللعنة

أحمد يحيى وزير • مذاهب فكرية في الميزان

ظلت الدعوة إلى التوحيد بعد رفع المسيح -عليه السلام- إلى السماء بين الحواريين وأتباعهم، وكان النصارى بين شقي الرحى؛ بين اضطهاد اليهود، واضطهاد الرومان الوثنيين، فلم تكد تمر ثلاثمائة سنة على رفع المسيح -عليه السلام- حتى تخلى النصارى عن كثير من شعائر دينهم رغبة في استمالة الرومان الذين ثبتوا على وثنيتهم؛ ليستنصروا بهم على اليهود، الذين أرهقوهم ذلاً واستعبادًا، فركبوا لهم دينًا يجمع بين ما تبقى بأيديهم مما توارثوه عن أسلافهم وبين ما يعتقده الفلاسفة الوثنيون، فنقلوهم من عبادة الأوثان المجسمة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها، حتى امتلأت بها كنائسهم إلا القليل، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن والروح القدس؛ فاندرست بذلك معالم دينهم، وطمست شعائره تحت ثياب الوثنية الطاغية آنذاك.

المجامع المسكونية:

مع انتشار الداء الوثني في جسد الأمة النصرانية ظل من عقلاء النصارى من ثبت على ما كان عليه أسلافهم السابقون أو كان قريبًا من ذلك، وذلك عند بداية تحريف دين المسيح، فأعلنوا استنكار فشو تلك العقائد الوثنية بين أتباع المسيح -عليه السلام- الذي كانت دعوته في صلب التوحيد، فنشأ بسبب هذا الاختلاف العلني عدة مجامع تفصل في هذا الاختلاف والتي أطلق عليها "المجامع المَسكونية"، وهي نسبة إلى "المسكونة"، أي: الأرض التي يسكنها البشر؛ لأنهم أرادوا أن تنتشر الدعوة إلى معتقدهم في كل بقاع الأرض.

ويطلق على المجمع أنه "مجمع مسكوني" إذا توفر فيه أربعة شروط:

1- انعقاده بسبب ظهور بدعة أو انشقاق يؤثر على الإيمان الكنسي.

2- انعقاده بدعوة من الإمبراطور المسيحي.

3- حضور غالبية أساقفة الكنيسة -شرقًا وغربًا-، حتى يتم تمثيل كامل للكنيسة الجامعة ككل.

4- إقرار حكم جديد أو الاستقرار على رأي لم يُتفق عليه من قبل.

وقد اجتمع النصارى عشرة "مجامع مسكونية"، كان أولها على عهد الملك "قسطنطين" الذي جمعهم من سائر الأقطار، وكان آخرها على عهد معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أو بعده بقليل؛ ليتفرقوا كعادتهم ما بين لاعن وملعون! هذا مع أنه كان بين المجمع الأول والعاشر أقل من ثلاثمائة سنة، وأصحاب تلك المجامع هم كبار الأساقفة، بلغوا خلال تلك المجامع العشرة أكثر من أربعة عشر ألفًا، ومع ذلك تفرقوا بين لاعن وملعون!!

وهذه المجامع العشرة هي:

1- مجمع "أنطاكية 324م":

وحضره "13" أسقفًا فقط، وقرروا فيه لعن "بولس"، وكل من يقول بقوله: "إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس".

2- مجمع "نيقية 325م":

عقد في مدينة "نيقية" بـ"تركيا" بعد ما ظهر رجل يدعى "آريوس" يظهر الاعتقاد بأن المسيح رسول من عند الله، مخلوق كغيره من البشر، ليس له صفات الإلهية، فدعا الملك "قسطنطين" كنائس النصارى؛ لعقد مجمع للفصل بينهم في حقيقة المسيح -عليه السلام-، فحضر المجمع "2048" أسقفًا من مختلف أنحاء العالم، ثم انقسموا فريقين فريق يؤيد "آريوس" في اعتقاده، وكانوا "1731" أسقفًا، وفريق معارض يقول بألوهية المسيح، وكانوا "317" أسقفًا فقط برئاسة "إثناسيوس" الذي كان شماسًا في كنيسة "الإسكندرية".

استعرض الملك "قسطنطين" الآراء، ومال إلى رأي "إثناسيوس" وأتباعه -رغم قلتهم-؛ إذ يقرون بتجسد الآلهة ونزولها من السماء، كما كانت عليه عقيدة الرومان الوثنية التي يؤمن بها "قسطنطين"، فوجد هذا الوثني ضالته في ذاك الرأي.

ومن أعجب العجب أن يفصل هذا الوثني بين طوائف النصارى المختلفة حول حقيقة المسيح، ويستنصروا به في نصرة مذهبهم رغم وثنيته، ولعلهم اضطروا إلى تعميده في مرض موته؛ لئلا يكون ذلك وصمة عار في جبينهم ومستمسكًا عليهم لمخالفيهم ممن رفضوا عقيدته الوثنية، ولكن مهما فعلوا فسيظل ذلك وصمة عار في جبينهم، حتى يرجعوا إلى ما كان عليه المسيح -عليه السلام- من التوحيد.

وفي هذا المجمع أصدر المجمع "قانون الإيمان" الذي اتفق عليه موافقو "قسطنطين" و"إثناسيوس" والذي يقرون فيه بأن المسيح هو: "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر"، وهذا الذي عليه كافة طوائف النصارى اليوم.

وفيه -أيضًا- اختيرت الأناجيل التي لا تتنافى مع معتقدهم، وتم تجميعها في مجلد واحد أصبح فيما بعد "العهد الجديد"، الذي يجمع أناجيل "مرقس" و"متى" و"لوقا" و"يوحنا"، وأحرقوا كافة الأناجيل الأخرى التي تتعارض مع معتقدهم، وإن كانت أقدم من تلك الأناجيل المختارة، ويؤكد ذلك اكتشاف "إنجيل يهوذا" الذي يناقض ما هم عليه من وثنية، والذي يعتبر تاريخه أقدم من تاريخ تلك الأناجيل الأربعة، كما يظهر من مخطوطاته التي تشير إلى القرن الثالث الميلادي.

وعلى إثر هذا المجمع لُعن "آريوس" ومن معه ممن أنكروا ألوهية المسيح -عليه السلام- وصلبه.

3- مجمع "القسطنطينية الأول 381م":

وفيه أقر القول بألوهية الروح القدس الذي نصره "ملانيوس" ضد "مكدونيوس" الذي نفاها.

4- مجموع "أفسس الأول 431م":

وفيه أقر قول "نسطور" الذي تنسب إليه "النسطورية"، والذي كان يقول: إن للمسيح طبيعتين: لاهوتية وناسوتية، وأن مريم ولدت طبيعة الناسوت فقط دون اللاهوت.

5- مجمع "أفسس الثاني 449م":

وفيه أقر قول "أوطيسوس" بأن المسيح قبل التجسد له طبيعتان، وأما بعد التجسد فله طبيعة واحدة متحدة: الناسوت واللاهوت، وهذا هو قول "اليعقوبية" قديمًا و"الأرثوذكس" حديثًا.

6- مجمع "خلقيدونية 451م":

وأنشئ بسبب اختلافهم حول طبيعة المسيح؛ إذ نصر القول بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، إحداهما: ناسوتية، والأخرى: لاهوتية، نتيجة حلول اللاهوت في الناسوت، بينما ظلت طائفة أخرى تقول بأن للمسيح طبيعة واحدة متحدة اللاهوت والناسوت، وأنهما لم يتفارقا لحظة واحدة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية