شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صدام – البشير ... متى يتوقف قطار العولمة الأمريكي؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

ابتُلي المسلمون ومنذ عهد "أتاتورك" في "تركيا" و"الشريف حسين" صاحب "الثورة العربية" ومن قبلهما "محمد علي" وأسرته في "مصر" بوقوع حكام المسلمين في أسر التجربة الأوربية، التي عرفت عصر النهضة مع بداية قيام الدول القومية العلمانية؛ لما رأوه من أثر تلك الروح الجديدة؛ حيث أدت تنحية الدين جانبًا إلى تحرر العلماء التجريبيين من سلطان رجال الكهنوت الذين كانوا يتدخلون تدخلاً غاشمًا في البحوث التجريبية باسم الوحي الذي وفق العقيدة النصرانية المحرفة لم ينقطع بعد.

كما أدى قيام الدول العرقية إلى التنافس الكبير بينهم، فأطلقت روحُ التحدي الطاقات، واكتشفت الاكتشافات البحرية العظيمة ومنها الأمريكتين، وتقدمت الصناعة بكل فروعها، حتى قالوا أن الحرب هي أم الاختراع.

وعلى خلاف العادة لم يبخل الغرب علينا، فصدَّر إلينا هذه الأفكار كما هي، وذلك لإدراكه أن النظام الإسلامي أفضل من حالتهم في عصورهم الوسطى، وأفضل كذلك من حالهم في عصر نهضتهم؛ حيث التشريع الإسلامي الكامل الشامل الذي يهيئ الاستقرار لأي مجتمع يطبق فيه، وحيث الاعتقاد الجازم بانقطاع الوحي، فلا مجال لسيطرة علماء الدين على علماء الدنيا؛ وإنما هو سلطان الشرع الثابت المستقر على الجميع، وحيث الوحدة الإسلامية الملزمة للمسلمين بأن يكونوا تحت مظلة خلافة جامعة تذوب فيها الأعراق وتنتهي من أجلها العصبيات.

ولذلك استعمل مفكرو الغرب معنا أسلوب التعميم، فبدلاً من أن يقولوا أن دينهم الباطل أعاق تقدمهم؛ قالوا لنا: "إن الأديان تعوق التقدم"، وبدلاً من أن يعترفوا بأن استقلال كل قومية بدولة أفضل من أن يحكموا بواسطة عرق آخر، وإن كان هذا العرق من أبناء عمومتهم؛ ادعوا أن ذلك أفضل من كل البدائل الأخرى بما في ذلك حال الخلافة الإسلامية -التي يحكم فيها المسلمون بواسطة شريعة الإسلام بغض النظر عن جنسية الحاكم-.

الحاصل أن عددًا من معظم -إن لم يكن كل- الحركات الثورية في عالمنا الإسلامي ابتلعت الخيط، فأسست نظمًا علمانيةً قوميةً، والتي اقتصرت في "تركيا" على "القومية التركية"، بينما اتسعت قليلاً في بلاد العرب لتشمل "القومية العربية"، والتي رحَّب بها الغرب ابتداءً ريثما تنتهي قضية الخلافة تمامًا، ثم عمل على تقويضها هي الأخرى لصالح القوميات الأقل، التي عرفت باسم "الوطنية".

وبالتالي فقد مثلت هاتان القضيتان -أعني قضية تطبيق الشريعة في جميع شئون الحياة، وقضية لزوم اعتبار الرابطة الإيمانية هي الرابطة التي تجمع المسلمين لا الروابط القومية- أبرز نقاط الخلاف بين الحركة الإسلامية وبين الحكومات المدنية المعاصرة، وقد أوعز الغرب إلى الحكومات المدنية المعاصرة بالتمادي في اتجاهي العلمنة والقومية، رغم أن الغرب نفسه بدأ يعيد حساباته في هذا الجانب، فأعاد إلى الدين قدرًًا من الاعتبار رغم ما فيه من خرافات تنافي العقل القديم والحديث.

وبدأ في تكوين روابط اتحادية بدأت عسكرية كـ "حلف شمال الأطلنطي" و"حلف وارسو"، ثم اتجه نحو آفاق أوسع كما في "الاتحاد الأوربي"، كما حرص الغرب على تعميق الخلاف بين أنظمة الحكم المدنية والإسلاميين، وأراد أن يزكي الصراع بينهما بأن يمد هؤلاء وهؤلاء، وإن كان عامة الإسلاميين قد رفضوا التعاون مع الأعداء مع اختلاف اللافتات التي رفعها هؤلاء لمد جسور صداقة مع الحركات الإسلامية، وكانت الاتجاهات السلفية -وما زالت- هم الأبعد عن أي تجاوب مع الغرب، ولو من بوابة حقوق الإنسان المزعومة.

رغم أن الطرح السلفي هو أكثر الأطروحات مخاصمة للقانون الوضعي وللقومية في آن واحد، ورغم الفتاوى الكثيرة القديمة والمعاصرة في أن تحكيم القوانين الوضعية كفر؛ إلا أن السلفيين ضمُّوا إلى ذلك مراعاة الشبهات المثارة في هذه القضية، مما منعهم أن يكفروا الذين يحكمون بالقوانين الوضعية أو الذين ينادون بالقومية أو الوطنية عينًا طالما وُجدت لديهم الشبهات التي ظنوا معها أن هذا الأمر لا يخالف الإسلام، كما أن هذا الطرح يؤصل إلى أن البراءة التامة من الكفار الأصليين الذين هم كفار نوعًا وعينًا.

وعلى الجانب الآخر ولأن ساسة الغرب الذين أسسوا حضارته الحالية كلهم قد تخرجوا على كتاب "الأمير" لميكافيللى؛ فمبدؤهم أنه لا مبدأ، وأخلاقهم ألا أخلاق، والدين والسياسة -عندهم- ضدان، ومن ثمَّ ففي ذات الوقت الذي كان الغرب يصفق فيه لكل حاكم يخطو خطوة نحو الوطنية؛ كانت هناك أيادٍ خفية تنبش وتقلب في الخطوة القادمة من التمزيق، وساعدهم على ذلك حرية الحركة التي كانت متاحة بين بلاد المسلمين في ظل الخلافة الإسلامية، حتى لرعاياها من غير المسلمين، فالأكراد كقومية مقسَّمون في مناطق متفرقة من "إيران" و"العراق" و"تركيا" و"سوريا"، والعرب في كل بقاع العالم الإسلامي، حتى البقاع التي يختلف مناخها اختلافا كبيرًا عن البيئة العربية الأصلية كـ "بلاد السودان" وغيرها.

فضلاً عن المسلمين الأوائل من "الأقباط" و"الأتراك" و"الأكراد" و"البربر" و"الزنوج"؛ فكثير منهم تعلم اللغة العربية وأتقنها وحدث تزاوج بينهم وبين العرب، بحيث أصبح هؤلاء لا يعرفون إلا أنهم مسلمون عرب بحكم إتقانهم للغة العربية، وهو أمر كان في بادئ الأمر مما يتطلع إليه كل مسلم، ليس من باب خضوعهم للعرب؛ ولكن من باب خضوعهم للإسلام، ومنهم من ساد أهل الإسلام حتى عظمهم العرب، وحملوهم فوق رؤوسهم؛ ألا ترى إلى تعظيم المسلمين عامتهم وخاصتهم للبخاري ومسلم وهما من العجم؟!

الحاصل أنه وتحت مظلة الدول القومية وفي غياب روح الولاء الإسلامية لعبت أيدي الغرب في عقول ثوريين جدد من "الأكراد" و"الزنوج" و"البربر"، فمن كان منهم يدين بغير الإسلام فقد خلع برقع الحياء تمامًا، وربما حمل السلاح في وجه دولته القومية كما في "جنوب السودان"، وأما من يدين منهم بالإسلام فقد كانت الدعوة في أوساطهم تتردد على استحياء إلى أن جاءت "أمريكا" بجيوشها إلى المنطقة، فشجعتهم على خلع برقع الحياء أيضًا.

الصفحة التالية