شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكم العمليات الاستشهادية

الشيخ ياسر برهامي • الجهاد وفقهه

السؤال:

ما حكم العمليات الاستشهادية؟ هل تُعد من الجهاد بالنفس، أم إلقاء بالنفس للتهلكة؟ فإن كان الجواب بالإيجاب فكيف نرد على أولئك الذين يجحدونها؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من تحرير محله وبيان أنواع ما يسمى بالعمليات الاستشهادية أو الانتحارية عند من يمنعها؛ وذلك أنها تشمل عدة صور:

منها: أن ينغمس المسلم بسلاحه وسط الكفار مقاتلاً لهم؛ لإحداث نكاية بهم، وقتل أكبر عدد منهم، أو لتقوية قلوب المسلمين وإرهاب عدوهم، أو لتحقيق مصلحة من مصالح الجهاد كفتح حصن أو نحوه، وهو يغلب على ظنه أنه ُيقتـل، فهذه الصورة لا يكاد يُختلف فيها من جهة السبب في القتل أو مباشرته؛ إذ لا يُقتل بسلاح نفسه، وإنما الاختلاف فيها من جهة تحقيق المصلحة أو حصول المفسدة.

وكذا من جهة المسائل الأخرى الآتية من جهة مراعاة عقد الهدنة أو الأمان، وكذا مسألة النية والراية وغيرها، فلا يجوز نقض العهد سواء بهدنة أو أمان بالقيام بمثل هذه الأعمال في بلاد لها عهد مع المسلمين، أو في وسط كفار دخلوا بلاد المسلمين بأمان ولم يدخلوا بقوة السلاح كمحتلين أو مغتصبين، ولا يجوز كذلك في بلاد دخلها مسلم أو مسلمون بأمان؛ إذ أن جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم يرى أن عهد الأمان من الكفار لمسلم هو عهد أمان منه لهم؛ لأن المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا.

ولا يجوز القيام بهذه العمليات بطولة وشجاعة دون نية إرادة وجه الله -تعالى-، ونصرة دينه، وإعزاز المسلمين، وإرهاب الكافرين، فلقد كان يفعل مثلها الطيارون اليابانيون مع الأمريكان، وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر، ولكن فعلوها بطولة ووطنية، فلا يُسمَّى من فعل مثل ذلك شهيدًا، وكذلك من فعل مثل هذه العمليات تحت راية عمية؛ لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ) (رواه مسلم) .

وقال الغزالي في الإحياء (7/26): "لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل، وإذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضًا له ذلك في الحسبة".

وقال القرطبي في تفسيره (5 /363): "اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم ابن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم.

وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل، ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا، وكذلك يوم اليمامة لما تحصَّنت بنو حنيفة بالحديقة؛ قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحجفة، وألقوني إليهم، ففعلوا، وقاتلهم وحده، وفتح الباب.

قال القرطبي: ومن هذا ما روي أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا؟ قال: (فَلَكَ الْجَنَّةُ) ، فانغمس في العدو حتى قتل".اهـ.

وقال ابن حجر في الفتح (8 /185): "وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم".

وقال محمد بن الحسن في السير الكبير (1/163): "لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده؛ لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) (التوبة: 111) الآية".

الصورة الثانية: فهي أن يركب سفينة فيها جنود الكفار، أو يحتل فندقًا فيه مقاتلو الكفار، ويضع فيه المتفجرات ونحو ذلك، ويعلم أنه سيُقتل ضمن من يُقتل، وكذلك صورة من يلتف بحزام ناسف أو يقود سيارة ملغومة فيفجرها في معسكر الكفار أو مبانيهم.

فهاتان الصورتان وإن فرَّق بينهما البعض إلا أنهما في الحقيقة صورة واحدة، وهو أنه يقتل بسلاح نفسه فهذه محل الخلاف؛ حيث منعها بعض العلماء احتجاجًا بأحاديث النهي عن قتل النفس، ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) .

الصفحة التالية