شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكم العمليات الاستشهادية

الشيخ ياسر برهامي • الجهاد وفقهه

ومنهم من منعها لأجل ما يترتب عليها من مفاسد لا لأجل صفة القتل، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ الألباني -رحمه الله- وكذا الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-، ومنهم من أجازها بشروط تحصيل المصلحة الأعظم والنية الصالحة وتحت الراية الإسلامية، واحتجوا بحديث الغلام في أصحاب الأخدود حيث قال للملك: (إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِى كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي...) ، وفى الحديث أنه فعل ذلك فقتله، (فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ) (رواه مسلم) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِصَّةَ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ وَفِيهَا أَنَّ الْغُلامَ أَمَرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لأَجْلِ مَصْلَحَةِ ظُهُورِ الدِّينِ، وَلِهَذَا جَوَّزَ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ أَنْ يَنْغَمِسَ الْمُسْلِمُ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ, فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَفْعَلُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ نَفْسَهُ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِهِ لِغَيْرِهِ كَانَ مَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ غَيْرِهِ لأَجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ الَّتِي لا تَحْصُلُ إلا بِذَلِكَ وَدَفْعِ ضَرَرِ الْعَدُوِّ الْمُفْسِدِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، الَّذِي لا يَنْدَفِعُ إلا بِذَلِكَ أَوْلَى".

فقد سمى شيخ الإسلام ما فعله الغلام (قتل نفسه) وداخلاً كأصل في الوعيد الشديد الذي هو أغلظ من قتل الغير، ومع ذلك جاز للمصلحة الراجحة، وفي صحيح مسلم: وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَع أَكْحَلَهُ فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُونَ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قَتَلَ نَفْسَهُ قَالَ فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا أَبْكِى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟) قَالَ قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: (كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) .

قال النووي -رحمه الله- في شرح مسلم (5/418) في شرحه لحديث سلمة بن الأكوع من باب غزوة ذي قرد وغيرها: "وفيه اتباع سلمة وحده للمشركين، وفيه مقتل عامر بن الأكوع في غزوة خيبر بسيف نفسه، ومنها إلقاء النفس في غمرات القتال، وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها، ومنها أن من مات في حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدًا سواء مات بسلاحهم أو رمته دابة أو غيرها أو عاد عليه سلاحه كما جرى لعامر".

فلما كان قصد عامر قتل (مرحب) اليهودي الكافر، ولكنه أصابه سيف نفسه؛ كان شهيدًا، ومن قام بهذه العمليات لا يقصد قتل نفسه، بل قصد قتل الكفار، وإن كان يُقتل بسلاح نفسه، ولقد أكذب النبي -صلى الله عليه وسلم- من التفت إلى صفة القتل دون قصد المقاتل، ولم يجعله قاتلاً لنفسه، بل جعله شهيدًا، فالعبرة بقصد المقاتل ونيته، وإن كانت الصورة أنه قتل نفسه؛ لأنه لم يعاجل ربه بنفسه، ولم يضجر، ولم يسخط على قضائه، بل غرضه فداء دينه وأمته بنفسه، وقد سبق النقل عن النووي في فوائد هذا الحديث أنه شهيد ولو عاد عليه سلاحه.

قالوا: ومما يدل على أنه لا فرق بين المباشرة والتسبب ما ذكره أهل العلم فيما إذا احترقت سفينة؛ هل يلقي الرجل بنفسه ليغرق أم لا؟

قال في المدونة: "قال سحنون لابن القاسم: أرأيت السفينة إذا أحرقها العدو وفيها أهل الإسلام؛ أكان مالك يكره لهم أن يطرحوا أنفسهم في البحر؟ وهل تراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال: بلغني أن مالكًا سئل عنه فقال: لا أرى به بأسًا، إنما فروا من الموت إلى الموت، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أيما رجل يفر من النار إلى أمر يعرف أن فيه قتله؛ فلا ينبغي له إذا كان، إنما يفر من موت إلى موت".

وقال ابن قدامة في المغني: "وإذا ألقى الكفار نارًا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في مركبهم أو إلقاء نفوسهم في الماء فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران فقال أحمد: كيف شاء يصنع، قال الأوزاعي: هما موتتان، فاختر أيسرهما".

فهذا يدل على أن أهل العلم لم يفرقوا بين أن يموت بفعله أو فعل غيره، ولم يعولوا على هذا الوصف وجعلوه مناط الحكم، وقالوا: وغلبة الظن تقوم مقام العلم في الأحكام، فلا فرق بين صورة الانغماس التي يغلب أن يقتله الكفار، وبين صورة التفجير التي يعلم أنه يقتل فيها؛ لأن غلبة الظن تقوم مقام العلم.

وممن أفتى بجواز ذلك الشيخ/ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية حين قال في فتاويه (207/6ـ رقم 1479): "جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة (حقنة مخدرة ينتزعون بها الاعترافات)، ويقول: أموت أنا وأنا شهيد، مع أنهم يعذبونهم بأنواع العذاب؟

فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله: "آمنا برب الغلام"، وقول بعض أهل العلم: إن السفينة...إلخ، إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة، وهو مقتول ولابد". اهـ.

ونحن نرى أن الصواب تحريم قتل النفس خوفا من التعذيب، بل يصبر ويحتسب، والله المستعان، أما في مسألة المصلحة للمسلمين ودفع المضرة عنهم؛ فهي مسألة اجتهاد سائغ لا ينكر فيه على مجتهد ولا مقلد لمجتهد ولا مفتٍ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية