خمسة عشر قرنًا من الصراع الإسلامي الغربي الإسرائيلي
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المسلمون حول العالم
16- اليهود بحكم كونهم أقلية عرقية ودينية في ذات الوقت يتماسكون في أي مجتمع، وينشئون حاراتهم المغلقة عليهم، وهذا أعطاهم فرصة لكي تكون الطريقة الوحيدة الآمنة للتنقل بالمال في أوربا هي إيداعه لدى العائلات اليهودية في بلد لكي تتولى هي نقله إلى عائلة يهودية في بلد آخر، والتي تنقلها بدورها إلى صاحب المال نظير أجرة كبيرة، وهو ما استطاع به اليهود استدراج الأوربيين إلى الربا، رغم أنه محرم في التوراة التي في أيديهم إلى يومنا هذا، والتي يؤمن بها كل من اليهود والنصارى، كما أنه محرم في فلسفة اليونان التي ورثها الأوربيون، ومع ذلك استُدرجوا إلى بناء اقتصادهم على الربا الذي تحكم فيه اليهود، لا سيما في زمن الحروب.
17- مارس اليهود لعبتهم المفضلة في تزكية الحروب، ثم التحالف مع الطرف والطرف الآخر في نفس الوقت، و لما لعبوا تلك اللعبة مع هتلر قال قولته الشهيرة: "قتلت نصف اليهود، وتركت النصف الآخر؛ حتى يعلم الناس لماذا قتلت النصف الأول"، ورغم مبالغة هتلر في ذلك إلا أن هذا استثمر على الأقل إعلاميًّا في أن من حقهم أن ينتقموا من البشرية جمعاء لأن هتلر قتلهم، وإن كانوا قد اكتفوا بالانتقام من المسلمين في الوقت الراهن.
18- مع شراسة المقاومة الإسلامية لجيوش الاحتلال بدأت تدور فكرة الانسحاب العسكري من بلاد المسلمين، وجعلوا بدلاً من ذلك أمورًا منها :
الأول: القضاء على الخلافة، وكان أول ذلك تشجيع الثورة العربية على الخلافة بالتزامن مع انقلاب أتاتورك، وبالتالي قسموا الخلافة الإسلامية إلى عرب وأتراك.
الثاني: إيجاد جسم غريب يمنع التئام الخلافة مرة ثانية، وحبذا لو كان في المنطقة التي تربط القسم الأسيوي من البلاد العربية بالقسم الأفريقي.
الثالث: نشر الثقافة الغربية في كل مناحي الحياة، ومنها التعليم والقضاء في بلاد المسلمين التي سينسحبون منها.
19- تزامن هذا مع وجود حركة كبيرة من أثرياء اليهود في أوربا يريدون إعادة تجميع اليهود في أي بقعة، وتم طرح الأرجنتين وأوغندا وسيناء وفلسطين على استحياء.
20- وعلى الرغم من أن اليهود من الناحية الدينية يعتقدون أنهم لن يدخلوا أرض فلسطين إلا مع المسيح الحق -وفق زعمهم، وإلا فهم بعد تكذيبهم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم سوف يتبعون المسيح الدجال- إلا أن نابليون بونابرت رغبة منه في كسب تأييد اليهود في حملته على مصر حرَّض اليهود على الانضمام إليه ليوطنهم في فلسطين، إلا أن الظروف لم تمهله، ونزلت أسهم فرنسا لصالح الإنجليز، والتي لم يفتها استعمال نفس الوسيلة مع اليهود، و تجلى هذا الأمر بصدور وعد بلفور الشهير والذي رحب به زعماء الصهيونية، وعارضه بعض المتدينين اليهود للاعتبارات الدينية التي ذكرناها، والذين كانوا يرون أن عليهم أن يبحثوا عن وطن قومي قريب من فلسطين، وليس في فلسطين ذاتها، وكانت سيناء هي الاختيار المفضل لدى هؤلاء المتدينين، إلا أن زعماء الصهيونية رأوا اغتنام الوعد البريطاني وإن خالف تعاليم دينهم، وهذا ليس بغريب على اليهود.
21- مكن الإنجليز المهاجرين اليهود من الهجرة إلى فلسطين، وكونوا عصابات تقوم باغتصاب الأراضي بقوة السلاح والاغتيالات وغيرها، وكان الإنجليز بصفتهم قوة احتلال تتظاهر ببحثها عن هذه العصابات، فلما قام عز الدين القسام -بلغه الله منازل الشهداء- بتكوين خلايا جهادية حاربها الإنجليز أنفسهم حتى قتلوه -رحمه الله-، ولكن الجهاد لم يمت بموته.
22- بدأ الاحتلال في الانسحاب من بلاد المسلمين تاركًا اليهود في فلسطين، وتاركًا موروثه الثقافي العلماني في بقية البلاد، وتاركًا إدارات حكم لا تدري ماذا تعني إدارة دول في السلم فضلاً عن الحرب!
23- من العجب أن الاحتلال أوعز إلى الحكومات الوطنية بعد التحرير أن علامة تحررها هو أن تنضم لعصبة الأمم، بل كان الانضمام لعصبة الأمم شرط التحرير في كثير من الأحيان، وهذا يعنى أن الضحية سوف يجلس مع الجلاد في سلام ووئام، ومن ثمَّ فلا تعجب من إحياء ذكرى الاحتلال الفرنسي على مصر على أنه الحدث الأبرز في تاريخ الصداقة المصرية الفرنسية، وطبعًا كان الغرض هو منع الشعوب المحررة من البحث عن اتحاد آخر، ولو من باب اتحاد الأمم المظلومة أو اتحاد الأمم المنهوبة، فضلاً عن اتحاد الشعوب الإسلامية تحت خلافة جامعة.
ووجدت الشعوب المحررة نفسها مقيدة بالتوقيع على دستور عالمي ينافي دينها، ولعلهم لم يدركوا حينها أنهم سوف يعاد احتلالهم، ولكن هذه المرة تحت مسمى خرق الشرعية الدولية التي وقعوا عليها كشرط للتخلص من احتلالهم الأول.
24- اشتد تلاميذ القسام في جهادهم ضد العصابات الصهيونية حتى اضطرت الأمم المتحدة إلى إصدار قرار بتقسيم فلسطين إلى دولتين عبرية وعربية؛ تحقيقًا لميثاق الأمم المتحدة الذي ينادي بالسلام والوئام.
25- رغم أن هذه الفترة شهدت بداية ظهور أمريكا كقوة عظمى، وشهد أيضًا الهجرة اليهودية إلى أمريكا، إلا أن إنجلترا كانت ما زالت هي اللاعب الرئيسي في المنطقة العربية.
26- قرر العرب الحرب ضاربين بقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، وتحركت جيوشهم ولكن بلا إعداد شرعي، ولا عقيدة قتالية، وبلا إعداد بدني، ولا تدريب عسكري.
وقد كان رأي جماعات المقاومة في الداخل هو أن يقتصر دور الدول العربية على إمدادهم بالمال والسلاح دون الدخول في حرب ليسوا مؤهلين لها في أرض لا يعرفونها.
27- استطاع الجيش الأردني أن ينتزع القيادة، وصارت قيادة الجيوش العربية في يد قائد الجيش الأردني، ولك أن تضع كل ما تعرف من كلمات وعلامات وأساليب التعجب إذا علمت أن قائد الجيش الأردني كان الإنجليزي جلوب!!!
لا تعجب؛ فجراب الحب العربي الإنجليزي آنذاك ما زال فيه الكثير..........
- فانجلترا كانت تدعو للثورة العربية ضد الخلافة العثمانية لكي تعيد الخلافة المغتصبة من البيت الهاشمي إليه، وإذا كان شرط الخليفة عند فقهاء المسلمين أن يكون قرشيًّا؛ فإن فقهاء الانجليز من باب التشدد رأوا أنه ينبغي أن يكون هاشميًّا -بالمناسبة كان الحكام العثمانيين يلقبون أنفسهم بالسلاطين احترامًا لفقدهم أحد شروط الخلافة وهو القرشية-.