شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

خمسة عشر قرنًا من الصراع الإسلامي الغربي الإسرائيلي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المسلمون حول العالم

وكانت إنجلترا هي صاحبة فكرة التقسيم ابتداء، إلا أنه لما صدر قرار التقسيم من الأمم المتحدة وعبرت الدول العربية عن رفضها له كان رأى إنجلترا هو إبقاء الحال على ما هو عليه؛ حتى لا تُغضب حلفاءها العرب، إلا أن أمريكا تدخلت بثقلها لفرض القرار، بل صدر قرار تقسيم يعطي اليهود أكثر مما كان موجودًا في اقتراح التقسيم الإنجليزي، مما أعطى الفرصة لإنجلترا لادعاء أنها تساند العرب في خوض الحرب، فحافظت بذلك على ثقة الملك عبد الله بن الشريف حسين ملك الأردن، الذي أبقى جلوب الإنجليزي قائدًا للجيش الأردني، والذي صار فيما بعد قائدًا عامًّا للجيوش العربية بحكم تولي الأردن القيادة العامة للجيوش العربية.

كما استطاعت بهذه الحيلة أيضًا الحفاظ على ثقة الجيش المصري، الذي بلغ من ثقته في قوات الاحتلال الإنجليزي حد التصديق بوعد الإنجليز بفتح مخازن السلاح في منطقة القناة للجيش المصري، ثم في أثناء المعركة لحق هذا الوعد بسائر وعودهم الكاذبة، فاضطرت الحكومة المصرية إلى إجراء أول صفقة سلاح، والتي تبين فسادها عند استخدامها في المعركة، وما زالت قصة هذه الأسلحة الفاسدة من أغمض قصص الفساد في العصر الحديث.

28- وبالرغم من الأسلحة الفاسدة ونقص الرؤية والتخطيط إلا أن الجيوش العربية -وبفضل البطولات الفردية- كادت أن تقضي على عصابات اليهود لولا الجيش الأردني، أو بالأحرى جيش جلوب باشا الذي كان يحرك جيشه بما يربك كل الجيوش العربية الأخرى لا سيما الجيش المصري الذي كان قد توغل في الشريط الساحلي ذي الأغلبية اليهودية، ولولا قبول العرب بقرار الأمم المتحدة بالهدنة المؤقتة ثلاث مرات -التي لم تكن إلا لإعطاء الفرصة لليهود لالتقاط الأنفاس- لاستطاع الجيش المصري القضاء على سيطرة اليهود على المدن الرئيسية التي كانت تحت أيديهم، ومنها تل أبيب.

و من الجدير بالذكر أن تعلم أن عبارة أن إسرائيل هزمت سبعة جيوش عربية عبارة موهمة؛ حيث كانت القوات الإسرائيلية أكثر عددًا وعدة، فكانت تمتلك ستين ألف مقاتل مدربين تدريبًا عاليًا، ومنهم من خاض الحرب العالمية الثانية، بينما كان مجموع الجيوش العربية عشرون ألفًا، بعضهم لم يقاتل، وبعضهم كانت تحركاته في صالح الأعداء.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن المقاتلين اليهود في هذه الحرب لم يكونوا من اليهود الخلص؛ بل كان كثير منهم من الشعوب الأسيوية التي أدخلت اليهودية خوفًا عليها من الانقراض، وتم إعدادهم على أنه لا نجاة من مذابح النازية في أوربا إلا بذبح العرب في فلسطين، بخلاف الجيوش العربية التي أتت بغير عقيدة قتالية، إلا ما كان من نزعة دينية لدى الأفراد كما أسلفنا.

29- قاتل المتطوعون من الإخوان وغيرهم بجوار الجيوش النظامية، فتدخلت إنجلترا بأبوية حانية محذِّرة الحكومات من خطر ترك الميدان لقوات شعبية لا سيما الإخوان، فأُخذوا من الجبهة إلى السجون، ومن يومها وإنجلترا -ومن بعدها أمريكا وربيبتهما إسرائيل- تمارس دور التحريض والوقيعة بين الحركة الإسلامية وأنظمة الحكم في بلادها.

30- انتهت حرب 48 بهدنة دائمة بين العرب واليهود، إلى أن غدرت إسرائيل كعادتها هي وإنجلترا وفرنسا، اللذان لم يعدما مبررات ليرجعا عن صداقة العرب الصورية إلى حلف اليهود المصلحي الدائم في حرب 56، ولكن كانت للقوى العظمى الجديدة أمريكا وروسيا قولاً آخر أوقف الحرب على مصر من باب تقليص دور إنجلترا وفرنسا، وإن ادعوا حب العرب وصداقتهم، لا سيما روسيا.

31- إلا أن المحبة الروسية لم تدم طويلاً؛ حيث خدعت المخابرات الروسية الأنظمة العربية وورطتها في حرب 67، فحصل من هذا أن الدول التي ورثت الميراث الأوربي -فرنسا وإنجلترا وأمريكا وروسيا- قد تبنت أسلوب الخديعة والمكر لتمكن إسرائيل من أن تخوض حروبًا هي أشبه بحروب الأتاري؛ تحرك هي جيوشها، ويحرك الغرب جيوش المسلمين بالمكر والخديعة.

32- وجاءت حرب العاشر من رمضان المشهورة إعلاميًّا بحرب السادس من أكتوبر لتشهد لأول مرة إعداد على الجانب الإيماني وعلى الجانب المادي، وأرشيف الإذاعة والتلفزيون ومؤلفات وزارة الأوقاف المصرية في هذه الفترة شاهدة على أن الخطاب كان إسلاميًّا، وأن الجنود ذهبوا لكي يقاتلوا اليهود هاتفين: "الله اكبر"، نعم وجد الإعداد والسلاح، ولكنه لم يكن ليقف أمام السلاح الإسرائيلي لولا البطولة التي أظهرها الجنود، حكى شهود عيان أن المشاة المصريين كانوا إذا قابلهم حقل ألغام انتدبوا منهم مجموعة استشهادية لينفجر فيهم اللغم ويمر الباقي على أشلائهم، وحكى آخرون أنهم كانوا إذا عدموا مضادات الدبابات كَمِن أحدهم لها، ثم ألقى بنفسه على فوهة مدفعها لكي تسد أشلاؤه فتحتها فتعطل، بالإضافة إلى الموقف العربي الموحد الذي أرعب الأعداء في أمريكا قبل إسرائيل.

ومشت أمريكا على درب إنجلترا في النفاق وادعاء الصداقة للشعوب التي كانت قديمًا مستعمرات لها، إلا أنهم لسبب أو لآخر اختاروا الإعلان الصريح عن دعمهم التام والكامل لأمن إسرائيل، وللمسألة بُعدٌ يتعلق بسيطرة المال اليهودي على سير أي انتخابات في أمريكا، ولكن البعد الأكبر أن أمريكا تريد أن تنمي التركة التي ورثتها عن إنجلترا لا أن تضعفها، ومن هذه التركة هذا السلاح الخبيث المسمى إسرائيل.

33- إذا أضفت إلى هذا الجبن والهلع الذي هو سمة أساسية في الشخصية اليهودية؛ فإن الغرب يخاف أن يأتي اليوم الذي يختار فيه اليهود العودة اختياريًّا إلى حارات اليهود في أوربا الشرقية وغيرها، وفي هذه الحالة يخسر الغرب أكبر إنجازاتهم في حرب المسلمين في العصر الحديث.

إن اليهود الذين استعبدتهم الأمم على مدار تاريخهم قد استعبدهم الروم فجعلوهم أكبر درع بشري في التاريخ يحمى أوربا وأمريكا.

وفي مقابل ذلك لابد من دفع الثمن تمامًا، كما يحسن المختطفون إلى الرهائن لأن قوتهم مستمدة من سلامة هؤلاء الرهائن، فلابد للغرب أن يسدد الفاتورة مال وسلاح واحترام لليهود ومشاعرهم وشعائرهم ويبقى في النهاية أكثر الناس استفادة هم أثرياء الحركة الصهيونية في أمريكا الذين يشعرون بهذه المعادلة المعقدة أنهم ملوك العالم بحق.

الصفحة السابقة الصفحة التالية