شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رمضان وتربية النفس

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ثم مع طول الحبس ينقلب الحال مِن أنه كان يقاوم ويعرف الحق مِن الباطل، وكان -رغم أسره- رافضًا للهزيمة، يصبح بعد ذلك عنده المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؛ انتكس القلب، فصار كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- قلبَ المنافق ( أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) (رواه مسلم) ، صار لا يرى الحق حقـًّا ولا الباطل باطلاً، بل انقلب الأمر إلى أن صار ما تأمر به النفس هو الحق، وهذا هو الخطر الحقيقي؛ لأن الانتكاس ليس بأن يرى الحق حقـًّا ولو عجز عنه، فإنه يوشك أن تنهض همته إليه يومًا، ولكن إذا رآه باطلاً، إذا رأى أن الالتزام بالدين هو منكر مِن المنكرات، وأن القراءة في المصحف وكتب العلم كل ذلك ضرر، فماذا عساه أن يفعل؟!

هذا هو الضلال المبين وهذه هي الزندقة!

حقـًّا، هذه قلوب قد انتكست؛ فصارت ترى الحق باطلاً والباطل حقـًّا، ترى الإباحية والتحلل حرية!

وترى حكم غير الله ديمقراطية!

وترى موالاة الكفار مصلحة ومنفعة!

وترى الذل والانكسار لأعداء الله تحقيقًا للمصلحة!

هذه القلوب التي انتكست سببها أنها غُلبتْ أولاً في المعركة التي بيْن القلب وبيْن النفس.

فهذه فرصة عظيمة شرعها الله في رمضان لكي نتحكم في نفوسنا، ولو سأل كل واحد نفسه: أين أنتَ مِن هذه الطبقات؟ هل أنت ممن تحكم في نفسه الأمارة بالسوء؟

هل وجدت لذة العبادة؟ أم ما زلت تُكره نفسك عليها؟ أم أنك في الحقيقة إذا قمتَ ليلة لم تقم عشرًا؟! وإذا صمتَ يومًا لم تصم شهرًا؟! فهكذا تغلبك نفسك دائمًا على ذلك، فلا تنفق شيئًا في مرضاة الله، ولا تتعب بدنك في العمل لله تعلمًا وتعليمًا ودعوة وعبادة لله، وهكذا كل واحد منا بالتأكيد عرف نفسه في أي المراتب هو؟ ومَن الغالب في المعركة؟

وأنتَ مقبل على فرصة عظيمة حتى تنتصر على نفسك، وتتحكم في هذه الشهوات كلها، شرع الله لنا الصيام الذي هو أنفع أنواع التهذيب، أن تمتنع مِن طلوع الفجر إلى غروب الشمس مِن الطعام والشراب والشهوة، وأحل الله لنا ذلك فيما بيْن المغرب إلى طلوع الفجر الصادق، وهذا هو الوسطية المطلوبة التي فقدها الرهبان الذين كانوا على الرهبانية المبتدعة، كما وصف لله -تعالى-: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) (الحديد:27) ، حرَّموا على أنفسهم ما أحلَّ الله؛ ولذا قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (المائدة:87) .

فالواحد منهم يحرِّم على نفسه أكل اللحم، ونكاح النساء، والنوم بالليل أو على الفراش، وهذا كان موجودًا في بعض مَن غالى في العبادة في أول الإسلام أو في أوائل الصوفية، وهؤلاء فقدوا الوسطية؛ ولذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، ولما قالوا له: إنك تواصل، قال: ( إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ) (متفق عليه) ؛ ولذلك فأكثر أهل العلم على أن النهي عن الوصال، إما نهي تحريم -وهو الصحيح- وإما نهي تنزيه.

والوصال هو ألا يأكل ولا يشرب يومين متتاليين، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، فقال: ( لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ ) (رواه البخاري) ، فأذن أن يواصل إلى السحر، ويأكل كل يوم أكلة واحدة في السحور، والحقيقة أن الوسطية هي الأمر المطلوب، أما أن يكون الإنسان يأكل كلما جاع، ويشرب كلما عطش، ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه طول السَّنة؛ فهذا أمر مذموم، ولا شك أنه سوف تغلبه نفسه.

وقد شرع لنا القيام لترك فضول المنام، فلم يكن مِن عادته -صلى الله عليه وسلم- أن يحيي الليل كله دون أن ينام جزءًا منه طول السَّنة إلا في العشر الأواخر مِن رمضان، وذلك السهر خير وأوسط أنواع السهر الذي لا يغلب على الإنسان فلا ينام بالكلية فيحصل له الخلل في فكره وشعوره؛ ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) (متفق عليه) .

ولم يحرم الجماع بالكلية، ولكن حدد له وقتًا معينًا، وجعل الإنسان هو الذي يتحكم فيه، وفرض كفارة غليظة مشددة على مَن جامع عمدًا في نهار رمضان، بأن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينًا؛ فهذا التشديد حتى يستطيع التحكم في نفسه.

وشرع لنا مِن ترك فضول الكلام ما لا حاجة إليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ ) (رواه البخاري ومسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ ) (رواه مسلم) . ( يَرْفُثْ ): لا يقول الرفث، وهو الفاحش مِن القول. ( يَصْخَبْ ): لا يصيح. ( وَلَا يَجْهَلْ ): لا يقول الكلام السفيه الجاهل.

وشرع لنا مزيد التحفظ مِن الغيبة والنميمة، والزور، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) (رواه البخاري) ؛ ولذا فارتكاب الكبائر أثناء نهار رمضان يذهب بأجر الصيام، ويجعل الصوم غير مقبول؛ لأن الصوم شرع لتحقيق التقوى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ ) (البقرة:183) ، فإذا ارتكب الكبائر أثناء صومه كان ذلك دلالة على أن صومه ليس هو الصوم المشروع؛ ولذا كان بلا ثواب وكان غير مقبول، ولم يكن لله حاجة في أن يَدع طعامه وشرابه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية