رمضان وتربية النفس
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ومَن يترك الصلاة مثلاً أو مَن تخرج متبرجة في نهار رمضان، أو مَن يسب ويلعن؛ فهذا مفطر بقلبه وإن لم يكن مفطرًا بفمه وبطنه، ولا ثواب له، وصومه غير مقبول، وإن كان يسقط عنه الفريضة ولا يؤمر بالإعادة؛ إلا أنه لا ثواب فيه، وإن جاع وعطش ( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، فعليك أن تكون منتبهًا لصومك، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، فإذا كنتَ تحفظ لسانك في سائر الأوقات؛ فليكن حفظك له في رمضان أشد.
وكذلك ترك فضول المخالطة: فالغرض مِن خلطة الناس تحصيل ما ينفع الخلق، فالخلطة مع أصحاب اللعب واللهو مِن أعظم الضرر، فهؤلاء يجر بعضهم بعضًا إلى المنكرات والفواحش مِن الإدمان والسرقة، والزنا، والتدخين، وخلطة الصالحين خير خلطة، وهي تقلل مِن الاختلاط بأهل الفساد، وقد أصبح الاختلاط في زماننا له مفهوم أوسع منه في الزمن الماضي، فقد صارت الخلطة مِن خلال وسائل الإعلام ولو كان في حجرة مغلقة "مِن المذياع والتلفزيون، وغيرهما"؛ فحاول أن تكون على مقاطعة تامة لوسائل الإفساد في رمضان، لتكون مهتمًا بشغل نفسك بطاعة الله وبصحبة الصالحين، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، كما قال ربنا في العبد الخطاء الذي جلس مع الصالحين لحاجةٍ وهو ليس منهم، قال الله -تعالى-: ( وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ )، فمجرد التواجد في المساجد مع أهل البر والتقوى والصلاح مِن أسباب السعادة والمغفرة، وحذار أن تجعل المساجد سبيلاً إلى الخلطة المحرمة مِن الرياء والسمعة، وطلب الوجاهة والمنزلة بيْن الناس، فهذا هو الخطر على إخواننا، وإنما تخالِط مَن يذكرك بالله، وتذكره بالله.
والاعتكاف: فرصة للخلوة، ومحاسبة النفس، ولذلك نقول: ساعة يراجع الإنسان فيها نفسه كل يوم "حاسبوا أنفسكم قبْل أن تُحاسبوا، وزنوها قبْل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"، وكما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (الحشر:18) .
أما فضول الأموال: فقد شرع الله لنا في رمضان قدرًا واجبًا، وقدرًا مستحبًا؛ فشرع لنا مِن الواجب زكاة الفطر، وهي طهرة للصائم مِن اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، وشرع لنا الصدقة في رمضان، وأفضل الصدقة في رمضان كما في الحديث: "أفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ فِي رَمَضان" (رواه الترمذي، وضعفه الألباني) ، وإن كان فيه ضعف، لكن يشهد له ما في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أجود ما يكون في رمضان، وحديثَ: ( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، فعليكم بكثرة الإنفاق، خصوصًا في سبيل الله -عز وجل-.
ومِن النفقة المشروعة في رمضان: "النفقة في العمرة"؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي ) (متفق عليه) ، وهذه العمرة في رمضان تجمع كل أنواع تربية النفس وتزكيتها، فلا تعبأ كثيرًا بالمستوى الفاخر، وإنما فكر كيف ستكسر عادة النفس؟! لأن العمرة فيه فيها نفقة، وفيها تحكم في كل الرغبات والشهوات.
نسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
