شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رسالة إلى أهل غزة: ولَنِعِمَّ الرِّبَاطُ رِبَاطُكُم

بهاء الدين عبد الباسط • المسلمون حول العالم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

أخرج البخاري في كتاب "المناقب" عن عُمَيْرٍ بْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: ( لاَ يَزَالُ مِنْ أمتي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: "وَهُمْ بالشام" فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ.

وأخرجه في كتاب "التوحيد" بلفظ: ( لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِى أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ )

وهذا لاشك يقوله معاذٌ رضي الله عنه عن توقيف، أو عن فَهمٍ دقيق، لا جرم فهو إمام العلماء، وعلى كلٍ فهو من باب قوله تعالى: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران: 110) ، فهي وإن نزلت في الصحابة خاصة، فهم أحق بهذا الوصف من كل أحد، ولكنها يدخل فيها من عمل بالشرط المذكور في الآية: ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )، كما ورد في الأثر عن عمر وغيره، ومع دخوله فيها لا يبلغ ما بلغوا، وكما قال تعالى: ( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (التوبة: 100)

فهذا كذلك، فأهل الشام هم أحق بهذا الوصف من غيرهم، وهو كونهم أهل الطائفة المنصورة، وهم المقصودون بالمقام الأول في هذا الحديث، وإن كان ذلك لا يمنع أن يلتحق بهم غيرهم أو يدخلون معهم في هذا الوصف، ولكن لا يبلغون فيه ما بلغوا.

ويؤكد ذلك أن الحديث لا تظهر فائدته إلا في وقتٍ يكون فيه المسلمون في حالةٍ من الضعف، وإلا ففي حالة تكون فيها الأمة الإسلامية قويةٌ وأمرُها قائم وأهلُها جميعٌ، أي متحدون، فلا فائدة فيه، لأن المقصود بيانُ أنه مهما بلغت الأمة من الضعف والتفرق والتحزب والتشرذم والصراع فيما بينها، ومهما تكالب عليها الأعداء من كل جانب، ومهما علا فيها صوت المنافقون وأهل الباطل، ومهما بلغ تحكمهم في البلاد والعباد، ومهما خبا صوت أهل الحق وضعف، فإنه لا تزال طائفة من الأمة ظاهرة على الحق، قائمة به، لا يضرها من خالفها ولا من كذبها، ويستقيم أمرها على ذلك إلى أن تقوم الساعة، أو إلى أن يظهر أمر المسلمين مرة أخرى وتعلو كلمة الله تعالى، ويظهر أمره ويستبان الحق، وتذهب الغربة عن المسلمين، وذلك كائنٌ لا محالة.

فإذا كان ذلك كذلك، فأي وقتٍ الآن هذا ؟ أليس وقت الاستضعاف ؟ أليس هذا هو الوقت الذي تظهر فيه فائدة هذا الحديث؟ حيث ترى أمر المسلمين كيف آل إلى ضعف وذلة وهوان، وتفرق وتحزب وتشرذم، وصراع وإقبال وتكالب على الدنيا، وهروب وإدبار من أمر الآخرة، وموالاة لأعداء الله ومسارعة فيهم، ومعاداة للمسلمين وكل ما له انتماء لهذا الدين، أليس العالم الآن على اختلاف ألسنته وألوانه، وقاراته وبلدانه، حرباً على الإسلام والمسلمين، مهما كان الخلاف فيما بينهم، فأمرهم جميع على المسلمين، أليس الآن يظهر أمر هذه الطائفة واضحًا جليًا: أمرُهُم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مستمسكين بهدي السلف الصالح في جميع أمورهم وأحوالهم، متبعين لهم بإحسان، مستيقنين بأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، قائمين بنصرة هذا الدين مهما بلغت منهم التضحيات، قائلين بالحق وبيانه صادعين به، عالمين طريق النصر لا يقبلون أن يحيدوا عنه، يوالون أولياء الله، ويعادون أعداءه، لا يداهنون ولا ينافقون ولا يتنازلون ولا يبيعون شيئا من أمر دينهم مقابل عرضٍ من الدنيا أو دراهم معدودة أو يكونوا فيه من الزاهدين.

ثم ترى الخلاف في تحديد أهل هذه الطائفة ينبني على خلاف أهل العلم في أفضل الأعمال، وبدون الخوض في ذلك، أو عرض الخلاف، فإن أصح قولين في ذلك، أن أفضل الأعمال: الجهاد والعلم، ومذهب أحمد أن الجهاد أفضل العمل، وهو كذلك لأنه به تُحفظ بيضة الإسلام والمسلمين، ولولاه لاجتاح الأعداء بلدان المسلمين وأفنوهم عن بكرة أبيهم، فلا يكون علم ولا شيء، ولكن مفهوم الجهاد في الإسلام هو الذي يرهب الأعداء ويجعلهم من المسلمين على حذر وخوف، حتى وإن كانوا في مثل هذه الحالة من الضعف، والكفار قد بلغوا من القوة ما نرى، لأن المسلم يدخل غمار الحرب والمعارك ولا يريد أن يرجع منها بشيء لا بنفسه ولا بماله ولا بأهله، يرجو الشهادة أو النصر، كما قال تعالى: ( قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) (التوبة: 52) .

أما الكافر فلا يدخل المعركة إلا وهو غاية في الخوف من الموت، كما قال تعالى: ( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ) (الحشر: 14) ، وقال: ( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ) (الحشر: 13) ، لذا فهم دائما منهزمون، مهما حققوا من انتصارات زائفة، وإن كانت ففي أول الأمر ولا يستمر معهم النصر أبدا.

وهذا أمر مشاهد معلوم لنا في شتى البقاع على مر الأزمان، وهو أوضح ما يكون الآن بأرض فلسطين.

وليس معنى ذلك التنقص من شأن العلم، ولكن هو بيانٌ للدرجات، فمن حقق العلم مع الجهاد فهو في أعلى المراتب، ومن قام بأمر الجهاد ففي المرتبة التالية، ومن لم يتسن له القيام بالجهاد، فأفضل العمل هو العلم، ومن وراء ذلك مراتب لا تنتهي، بل ربما يختلف الأمر باختلاف الأشخاص والبلدان والزمان، كما بين ذلك العلماء، والله أعلم.

وعليه فنرى أن أهل الطائفة المنصورة في هذا الزمان وأحق الناس بها هم أهل الشام، فهنيئا لكم أهل الشام، وهنيئا لكم أهل فلسطين، وهنيئا لكم أهل غزة.

الصفحة التالية