رسالة إلى أهل غزة: ولَنِعِمَّ الرِّبَاطُ رِبَاطُكُم
بهاء الدين عبد الباسط • المسلمون حول العالم
أخرج مسلم عن يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ ذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ).
وأخرج مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: ( لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ).
وهذا يؤكد أن المقصود بهذه الطائفة المنصورة عصابةٌ من المسلمين يقاتلون عليه، أي من أجله، ولا يُحْمَلُ لفظ القتال إلا على معناه الحقيقي، فالمراد بالقتال الجهاد والحرب، فهذا يفسر الأحاديث المذكورة أولا، وصرف هذا اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر لا يجوز إلا بدليل صحيح، وحمله على أن المراد القتال أو الجهاد بالعلم أو الحجة والبيان غير صحيح بل يخالف نص النبي صلى الله عليه وسلم، فالأمر على ما بينا أن أولى الناس بهذا الوصف هم المجاهدون المقاتلون من أجل نصرة الإسلام والمسلمين، يليهم أهل الحجة والبيان من العلماء الذين فاتهم أمر الجهاد. وعلى هذا قول أكثر شراح الحديث أن المقصود بالطائفة هذه العصابة جمعا بين الحديثين.
هذا وقد علمنا أن الجهاد يكون بالسيف والسنان ويكون باللسان والحجة والبيان، وحمله على المعنى الأول حقيقي والثاني مجازي، والذي يقوم بالأول أعظم من الذي يقوم بالثاني، وأعظم منهما الذي جمع بينهما.
قال تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ) (التوبة: 19) ، وقال تعالى: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (النساء: 95) .
وربما يختلف ذلك أيضا باختلاف الأشخاص والبلدان والزمان، فلربما يكون النصر في موطن من المواطن لا يتأتى إلا بالجهاد، وفي آخر بالحجة والبيان والعلم، وفي آخر بهما، وهكذا، ولكن أعظم ذلك الجهاد، وهذا أظهر ما يكون في هذا الزمان وحالة الأمة الإسلامية ما نرى، وعليه أقوال أهل العلم في آخر الزمان، أن هذه الطائفة تكاد تنحصر في أرض الشام، والله أعلم.
والمقصود أنه ربما يكونُ فرد ٌ أو أفرادٌ شتى في مواطن شتى في زمن واحد أو في أزمان مختلفة من أفراد الطائفة المنصورة، أو ينتمي إليها بسبب، ولكنهم في ذلك على درجات قربًا وبعدًا من تحقيق الوصف الأكمل والمثال الأعلى للطائفة المنصورة. ويختلف استحقاقهم لهذا الوصف على مدى تمكنهم من تحقيق شروطه واستيفاء متطلباته. وقد يكون العلم في زمان هو المطلوب، وفي آخر الجهاد هو المطلوب، وفي ثالث كلاهما مطلوب، ولاشك أن الأول في زمان قوة الأمة مقدم، والثاني في زمان توسطها مطلوب، وفي الثالث كلاهما هو المقدم والمطلوب.
فإذا نظرنا إلى وقتنا هذا علمنا أن ذلك متحقق على أتمه وكماله في أرض فلسطين الشام، بل وفي غزة بالتحديد في هذه الأيام، فهم القائمون بالجهاد والقتال، غير تاركين للعلم والشريعة، وإلا فإن الجهاد لا يتصور حصوله على وجه الحقيقة بدون العلم، فلابد من وراء هذه الطائفة من علم صحيح يجري على أصول أهل السنة والجماعة، ولعله من أجل ذلك ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بذكر العلم والفقه في الدين وأهميته، ثم عقب ذلك بذكر هذه الطائفة المنصورة التي تقاتل من أجل هذا الدين.
فهم القائمون بالجهاد والقتال، غير تاركين للعلم والشريعة، الحافظين لبيضة المسلمين، فهم في حومة الوغى، وبؤرة الصراع، ومحط أنظار وتوجه أعداء الأمة، واجتمعت عليها مخططاتهم، فكل منهم يرى له فيها حقا، وأنه لا إقامة لملكه إلا بالاستيلاء عليها، بدءا من اليهود ومرورا بالنصارى وانتهاء بالشيعة الرافضة، واتفق الجميع وغيرهم على حرب الإسلام والمسلمين، واعتمدوا هذه المنطقة حلقة الوصل في لب الصراع، والله المستعان.
وكذلك إذا أمعنا النظر علمنا أن الجهاد اليوم لا يقف بمعزل عن العلم، وكلاهما قد أصيب في مقتل في زماننا هذا، ولابد للأمة من النهوض بهما جميعا إذا ما أرادت يوما لنفسها أن تنهض، ولابد من الأخذ بهما بقوة، في محل بؤرة الصراع وفي غيرها من بقاع أرض المسلمين وبلدانهم.
وهذا يبين بشدة صحة ما ذكرنا أن أهل الشام هم أحق الناس بهذا الوصف، لاسيما في هذا الزمان، ويتأكد ما ذكرنا بما يلي من الأحاديث:
أخرج مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ).
قال أبو العباس القرطبي، المتوفى سنة: 656 هـ، في "المفهم " (3/763-764) بعد أن ذكر جملة من الأقوال المذكورة في المراد بهذه الطائفة وذكر روايات حديث سعد قال: "وهذه الروايات تدل على بطلان التأويلات المتقدمة، وعلى أن المراد به أهل المغرب من الأرض، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة – مدينة النبي صلى الله عليه وسلم – إنما هو الشام، وآخره: حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى وما بينهما، كل ذلك يقال عليه غرب، فهل أراد المغرب كله أو أوله ؟ كل ذلك محتمل، لا جرم قال معاذ في الحديث الآخر: هم أهل الشام. ورواه الطبري وقال: هم ببيت المقدس."اهـ.