الطريق إلى الولد الصالح 6- فترة الوضع
عصام حسنين • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإذا وضعت المرأة فلتحمد الله، ولتكثر من ذكره وشكره على السلامة، وعلى الرزق بالمولود، وليعلم الزوجان في هذا المقام ما يلي:
1- أن المولود محض هبة الله -تعالى-، فليحمدوا الله على هبته، قال الله -عز وجل-: ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ . أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) (الشورى:49-50) .
2- أن يُظهر الفرحة والسرور بهبة الله -تعالى- خاصة البنت خلافًا لمعتقد الجاهلية: ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (النحل:58-59) .
3- يستحب التأذين والإقامة عند الولادة؛ لحديث أبي رافع -رضي الله عنه- قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ -حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ- بِالصَّلاَةِ" (رواه أبو داود) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذّن في أذن الحسن بن علي حين وُلد، وأقام في أذنه اليسرى. (سنده ضعيف "الإرواء": 4/401) .
والحكمة في ذلك ما قاله ابن القيم -رحمه الله-: "أن يكون أول ما يقرع سمعَه أول ما يدخل به في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يُلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه، وتأثره به، وإن لم يشعر.
ومع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي: هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حين يولد، فيسمع شيطانه ما يُضعفه، ويغيظه أول أوقات تعلقه به.
وفيه معنى آخر، وهو: أن تكون دعوته إلى الله، وإلى دينه -الإسلام-، وإلى عبادته، سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان لها، ونقله منها. إلى غير ذلك من الحكم...".اهـ. "تحفة الودود صـ32" .
3- يستحب تحنيكه عقب ولادته -وهو: وضع التمرة، ودلك حنك المولود بها-، ويستحب أن يقوم بها أحد من أهل الصلاح والعلم، أو أمه؛ لما ورد عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: "وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ" (متفق عليه) .
والتمر له فوائد كثيرة ، فهو يُذاب في الريق فيتحول إلى السكر الثنائي "السكروز" إلى سكر أحادي يستفيد منها المولود.
وهذا إعجاز جاءت به سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يعرفه الطب الحديث، وهو إيمان إلى إيمان، والحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام.
4- يستحب حلق رأسه يوم سابعه، والتصدق بوزن شعره فضة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة -رضي الله عنها-، لما ولد الحسن: ( احْلِقِي رَأْسَهُ ثُمَّ َتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ مِنْ فِضَّةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
وهذا الاستحباب في حق الغلام، ويكره في حق الجارية على الراجح؛ لأن الأحاديث وردت في حق الغلام: ( مَعَ الْغُلامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى ) (رواه البخاري) .
ولم يأت في حق الجارية إلا حديث مرسل يدخله الاحتمال، هو ما رواه مالك والبيهقي وغيرهما عن محمد بن عليّ ابن الحسين قال: "وزنت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنة ذلك فضة". والله -تعالى- أعلم.
5- لا بأس أن يسمَّى يوم مولده أو في يوم سابعه؛ لحديث سمرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمَّى فِيهِ وَيُحْلَقُ ) (رواه الخمسة، وصححه الترمذي والألباني) .
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِى إِبْرَاهِيمَ ) (رواه مسلم) .
ولا نزاع بين أهل العلم أن التسمية حق للأب لا للأم، قال الله -تعالى-: ( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) (الأحزاب:5) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ولد الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم ) رواه مسلم . اهـ. "تحفة المودود صـ124" .
ويستحب للوالد أن ينتقي له من الأسماء أحسنها وأجملها؛ تنفيذًا لما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ) (رواه مسلم) .
وقال ابن حزم -رحمه الله-: "اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى الله، كـ "عبد الله، وعبد الرحمن" وما أشبه ذلك، واختلفوا في أحب الأسماء إلى الله، فقال الجمهور: أحبها إليه: "عبد الله، وعبد الرحمن"، وقال سعيد بن المسيب: "أحب الأسماء إليه أسماء الأنبياء، والحديث الصحيح يدل على أن أحب الأسماء إليه: "عبد الله، وعبد الرحمن". اهـ. "فتح الودود صـ104" .
وعليه أن يجنبه الأسماء القبيحة التي تمس كرامته، أو تدعو إلى الاستهزاء به والسخرية، وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أن يغير الاسم القبيح كما قالت عائشة -رضي الله عنها-.
وأن يجنبه الأسماء التي لها اشتقاق من كلمات فيها تشاؤم، حتى يسلم الولد من مصيبة ذلك، فعن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أنه جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: ( مَا اسْمُكَ؟! )، قَالَ: حَزْنٌ، قَالَ: ( أَنْتَ سَهْلٌ )، قَالَ: ( لاَ أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي ) قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ. (رواه البخاري) .