خطوط حمراء بين طوائف النصرانية
أحمد يحيى وزير • مذاهب فكرية في الميزان
ظهرت المارونية عام "667م" على يد "يوحنا مارون"، الذي انشق بأتباعه عن "الكنيسة الكاثوليكية"؛ بسبب اعتقاده بأن للمسيح طبيعتين ومشيئة واحدة فقط؛ لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد أو شخصية واحدة، فدعت الكنائس الكاثوليكية الشرقية عام "680م" إلى عقد مجمع حضره "286" أسقفًا، وهو "مجمع القسطنطينية الثالث"، حيث تقرر فيه ما عليه الكاثوليك من أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وعلى ذلك تم تكفير ولعن المارون، وتمت مطاردتهم حتى استقروا في جبال "لبنان"؛ إذ ترأسهم بطريرك "لبنان"، وظلوا مستقلين بمذهبهم إلى أن أعلنوا الولاء لكنيسة "روما" عام "1182م" مع بقائهم على مذهبهم.
ومنذ عام (1943م) تم الاتفاق بين المسلمين والنصارى في "لبنان"، على أن يكون رئيس الدولة مارونيًا.
نشأة كنيسة "الروم الأرثوذكس":
تدين كنيسة "القسطنطينية" بالمذهب الكاثوليكي الذي يقرر أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين لاهوتية وناسوتية، إلا أنهم اختلفوا مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في الاعتقاد بأن الروح القدس منبثق من الأب والابن معًا، فقالوا بقول "الأرثوذكس" أنه منبثق من الأب فقط، مما أدى إلى عقدهم مجمعًا في "القسطنطينية 879م" مؤكدين فيه على قولهم هذا، ومعلنين انفصالهم عن الكنيسة الأم، ومستقلين بكنيسة "القسطنطينية" التي أطلق عليها: "كنيسة الروم الأرثوذكس"؛ لمشابهتهم الأرثوذكس في هذا الاعتقاد، وهم لا يعترفون لبابا "روما" بالسيادة.
نشأة الكنيسة "الإنجيلية البروتستانتية":
تطور الشقاق والنزاع بين طائفة "الكاثوليك" وبين باقي طوائف النصرانية، حتى انعكس ذلك على سلوك كل طائفة منها تجاه الأخرى، وغلت كل منها في التعامل مع أختها بدءًا من الاحتقار ومرورًا باللعن وحتى المقاتلة، وفي مقابل غلو كل طائفة في سلوكها الخارجي مع الطائفة الأخرى ظهر الغلو الداخلي في صبغ كل كنيسة نفسها بصبغة التقديس والعصمة، وكان النصيب الأكبر والحظ الأوفر من هذا الغلو الفاحش لدى "الكاثوليك"، مما حدا بهم إلى القول بعصمة بابا "روما".
بل والادعاء بالباطل أن من حق أساقفة الكنيسة أن يبيعوا صكوك الغفران لمن شاءوا بلا توبة، وأنهم وحدهم لهم حق فهم الكتاب المقدس، وأن أي محاولة للخروج عن تعاليم الكنيسة سيعرض الخارج إلى أقسى العقوبات، وقد تعرض لذلك كثيرون ممن حاولوا أن يعارضوا نصوص الكنيسة بحقائق علمية، مثل رجل الفلك: "نيكولاي كوبرنيكوس" الذي أحرقته الكنيسة الكاثوليكية لهذا السبب، ثم من بعده تلميذه "جليليو" الذي حكم عليه بالسجن المؤبد.
ومع تطور هذا الغلو الفاحش خرجت طائفة أعلنت العصيان والتمرد على تعاليم الكنيسة، ورفضت كثيرًا مما أُعطي صبغة القداسة داخل الكنيسة، فظهر في القرن السادس عشر الميلادي رجل يدعى: "مارتن لوثر" دعا إلى نبذ أوامر "الكنيسة الكاثوليكية" والتشكيك في مصداقية أساقفتها وكهنتها، وقاد دعوته الجديدة تحت اسم: "حركة الإصلاح الديني" وهو عند أتباعه يدعى: "المصلح" الذي واجه "الكنيسة الكاثوليكية" في احتكارها فهم الكتاب المقدس، فدعا كل رجال النصرانية إلى قراءة الإنجيل وفهمه وتفسيره دون الرجوع إلى رجال الكنيسة، فسمي أتباعه باسم: "الأصوليون" و"الإنجيليون"، وسميت الكنائس التابعة له بـ"الكنائس الإنجيلية"، والتي أطلق عليها اسم: "البروتستانت"، والتي تعني: "المحتجون".
وبظهور هذه الطائفة وانتشارها في أنحاء أوروبا وأمريكا أصبحت الطوائف النصرانية الكبرى ثلاث طوائف هي: "الأرثوذكس" و"الكاثوليك" و"البروتستانت"، ولكل منها ما تعتقده وتدين بها، ثم هي تلعن كل من خالفها.
ومعتقدات "البروتستانت" أقرب إلى "الكاثوليك" منها إلى "الأرثوذكس"، فهم يعتقدون نفس ما يعتقده "الكاثوليك" حول طبيعة المسيح -عليه السلام-، وإنما كانت مشكلتهم معهم تكمن في استبداد "الكنيسة الكاثوليكية" وأساقفتها.
توابع الخلاف البروتستانتي:
قامت "الحركة البروتستانتية" التي قادها "مارتن لوثر" على إهدار حق "الكنيسة الكاثوليكية" في احتكار تفسير نصوص "الكتاب المقدس" عندهم، مما فتح الباب للاختراق اليهودي عن طريق تفسير النصوص بصورة تروق لليهود وتخدم أهدافهم، ومما ساعد على ذلك أن "لوثر" نفسه دعا النصارى إلى إجلال اليهود وتعظيمهم، وتنكر للاعتقاد الكاثوليكي حول اليهود بأنهم أعداء المسيح -عليه السلام-، وروج لفكرة أن اليهود شعب الله المختار، ومن هنا نشأ تعظيم النصارى لليهود، وبدأ ظهور ما يسمى بـ"الحركات الصهيونية المسيحية".
ويظهر سلوك البروتستانت تجاه اليهود من خلال سلوكهم مع المسلمين وشدة عدائهم لهم، كما هو حال "أمريكا" التي تدين بـ"المذهب البروتستانتي".
ولم تلبث "الكنيسة الكاثوليكية" أن لحقت بـ"البروتستانتية"، حيث تحولت هي الأخرى إلى نصرانية صهيونية، حيث اعترف الفاتيكان بالكيان اليهودي عام "1993م"، ونظم مؤتمرًا في أكتوبر عام "1997م"؛ لمناقشة وثيقة رسمية عنوانها: "جذور معاداة اليهود في الوسط المسيحي"، وقد دعا هذا المؤتمر إلى مراجعة وتعديل بعض النصوص الدينية في "العهد الجديد"، والتي تتعرض للإساءة لليهود.
ولكن من الطريف حقًا أن "لوثر" كان هدفه النهائي تحويل اليهود إلى "البروتستانتية"، وبدلاً من أن يفعل اليهود ذلك كانوا يجمعون الأنصار؛ لتهويد النصارى، ولذلك انقلب عليهم وعبر عن بغضه إياهم في كتابه الذي سماه: "ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم" الذي وضعه عام "1544م"، وطالب فيه بطردهم من "ألمانيا".
وبعد هذا العرض السريع؛ فما سبق هو خلاصة الخلاف الحاصل بين كبرى طوائف النصرانية، فـ"الكاثوليك" و"الروم الأرثوذكس" و"البروتستانت" يعتقدون أن للمسيح -عليه السلام- طبيعتين ومشيئتين: إحداهما: ناسوتية، والأخرى لاهوتية، بينما يعتقد "المارون" أن له طبيعتين ومشيئة واحدة فقط، وأما "الأرثوذكس" فيعتقدون أن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة متحدة اللاهوت والناسوت.
ويفارق "الروم الأرثوذكس" "الكاثوليك" في طبيعة "الروح القدس"، فيعتقدون أنه منبثق من "الأب" فقط، مؤيدين بذلك قول "الأرثوذكس".
وأما "البروتستانت" فكان انشقاقهم بسبب اعتقاد "الكاثوليك" عصمة بابا "روما"، واحتكار "الكنيسة الكاثوليكية" حق فهم "الكتاب المقدس".