شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

سلطان العلماء وبائع الأمراء

محمد سرحان • من تراجم السلف

فرجع بشرط أن ينادي على ملوك مصر وأمرائها ويبيعهم فأرسل نائب السلطان إلى الشيخ بالملاطفة، والشيخ لم يتغير.

فعزم نائب السلطان على قتل الشيخ؛ فخرج ومعه بعض حاشيته إلى بيت الشيخ والسيف في يده صلتاً، فطرق الباب فخرج إليه ولد الشيخ فرأى أمرا جللاً، فعاد إلى الشيخ وأخبره؛ فقال لولده:

"يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله"!!

فخرج إليهم. فلما رآه نائب السلطان اهتزت يده، وارتعد وسقط على الأرض وبكى، وسأل الشيخ الدعاء، ثم عقد الشيخ لهم مزادا ونادى عليهم بالبيع، وغالى في أثمانهم ووضع ثمنهم في مصالح المسلمين.

العز يهدم قاعة المنكر ويسقط عدالة الوزير:

بعد عام من حادثة بيع الأمراء في المزاد كان معين الدين بن شيخ الشيوخ كبير أمناء الملك، وكان يجمع على منصبه هذا اختصاصات الوزير، وكان قائد الجيش في المعارك، ولكنه كان عابثا متحللا معتدا بقوته ومنصبه؛ فبنى فوق أحد مساجد القاهرة طبلخانة -قاعة لسماع الغناء والموسيقى- وذلك سنة 640هـ، وما إن ثبت ذلك عند الشيخ وهو يتولى منصب قاضي القضاة حتى أصدر أمرا بهدم البناء وقام بنفسه وجمع أولاده والموظفين عنده وأزال هذا البناء من فوق المسجد، وأسقط عدالة الوزير بمعنى عدم قبول روايته وشهادته.

معارضته لشجرة الدر سلطنتها على مصر:

وهذا رد على من زعم أن أحدا من علماء الدين لم يبد اعتراضا على توليها الحكم.

في حرب التتار وفتاويه الشجاعة:

لما داهم التتار بلاد المسلمين ودمروا بغداد، وعظم خطرهم على بلاد الإسلام؛ قام الشيخ ببث الهمة في نفوس الناس وذكرهم بضرورة الجهاد، وحثَّ السلطان على الجهاد، وبشره بالنصر.

ولما استشاره السلطان قطز -رحمه الله- في أخذ المال من الرعية لقلة المال في الخزانة وحاجته إلى ذلك في الاستعداد لقتال التتار وافق بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وأن يبيع الأمراء ما لهم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساووا هم والعامة فنفذ الملك ذلك، وأمر العز العلماء والدعاة ببث روح الجهاد في الجند وفي العامة، والقيام بالدفاع عن الإسلام؛ فكانت المنابر وساحات المساجد تتلى فيها سورة الأنفال والتوبة وآيات الحث على الجهاد، وعلى البذل والتضحية في سبيل الله، فنهض الناس جميعا بين مجاهد ومساعد، وداع وخطيب، كلٌ يجاهد حسب موقعه واستطاعته.

من صفاته -رحمه الله-:

2- الزهد:

ضرب العز مثلا للزهد بسيرته ومواقفه فكان يعيش بين الناس رافضا دنياهم يذكرهم بأخراهم، غير متطلع لما في أيديهم مع مشاركته في أحداث الدنيا، مع انخراطه في حل مشكلاتها ومعضلاتها، وكان لا يرد سائلا.

ومن مواقف حياته في ذلك:

أنه نصح للملك "الأشرف" وهو في مرضه الذي مات فيه؛ فامتثل أمره وعمل بنصحه وأمر له بألف دينار مصرية، فردها الشيخ ولم يقبلها وقال: هذه اجتماعة لله لا أكدرها بشيء من الدنيا!

ولما خرج من القاهرة في قصة بيع الأمراء كان كل متاعه ومتاع أسرته حمار واحد!

ولما مرض العز وأحس بالموت؛ أرسل له الظاهر "بيبرس": أن يـُعيـِّن أحد أولاده في مناصبه.

فقال العز: ما يصلح لذلك -رغم أن ولده عبد اللطيف كان عالما يستحق المنصب-.

قال له: من أين يعيش؟

قال: من عند الله -تعالى-.

قال له: نجعل له راتبا؟؟

قال العز: هذا إليكم، ثم أشار إلى تعيين تقي الدين ابن بنت الأعز.

3- حـُبـُّه للصدقة:

كان -رحمه الله- كثير الصدقات باسط اليد فيما يملك، يجود بماله -ولو كان قليلا-.

حكى القاضي بدر الدين بن جـُماعة أن الشيخ لما كان بدمشق وقع مرة غلاء كبير حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل؛ فأعطته زوجته مصاغا لها وقالت: اشتر لنا به بستانا نصيف به، فأخذ المصاغ وباعه وتصدق بثمنه! فقالت له: يا سيدي اشتريت لنا؟

قال: نعم. بستانا في الجنة؛ إني وجدت الناس في شدة فتصدقت بثمنه.

فقالت: جزاك الله خيرا.

4- ورعه وتقواه:

كان العز صاحب ورع متعدٍ؛ إذ كان ورعا ويعلم الناس الورع، ومما في ذلك قوله:

"يجب على الخنثى المشكل أن يستتر في الصلاة كالتستر للنساء احتياطا".

وقوله: "من نسي ركعتين من السنن الرواتب ولم يعلم أهي سنة الفجر أم سنة الظهر فإنا نأتي بالسنتين لنحصل على المنسية"، ولمن نسي صلاة من صلاتين مفروضتين أيضا.

5- تواضعه وعدم التكلف:

مرّ في قصة بيع الأمراء قوله لابنه: "أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله"، وكان لا يتكلف في لباسه فكان يلبس العمامة، ومرة قبعة من لـُبـَّاد بحسب ما تيسر له، ويحضر بها المناسبات والمواكب.

6- بلاغته وفصاحته:

كان -رحمه الله- بليغا فصيحا قوي العبارة؛ من أقواله وعباراته:

"الشرع ميزان يوزن به الرجال، وبه يتيقن الرابح من الخسران، فمن رجح في ميزان الشرع كان من أولياء الله وتختلف مراتب الرجحان. ومن نقص في ميزان الشرع فأولئك أهل الخسران وتتفاوت خفتهم في الميزان وأخسها مراتب الكفار، ولا تزال المراتب تتناقص حتى تنتهي إلى مرتكب أصغر الصغائر.

فإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء ويمشي على الماء، أو يخبر بالمغيبات ويخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلل، أو يترك الواجبات بغير سبب مجوز، فاعلم أنه شيطان نصبه الله فتنة للجهلة؛ وليس ذلك ببعيد من الأسباب التي وصفها الله للضلال؛ فإن الدجال يحيي ويميت فتنة لأهل الضلال... ". إلى أن قال:

"وكذلك من يأكل الحيات ويدخل النيران فإنه مرتكب للحرام بأكل الحيات، وقاتل للنفس بدخول النيران ليقتدوا به في ضلالته ويتابعوه على جهالته".

ومن ذلك قوله: "والطريقة في إصلاح القلوب التي تصلح الأجساد بصلاحها وتفسد بفسادها؛ تطهيرها من كل ما يبعد عن الله، وتزيينها بكل ما يقرب إليه ويزلفه لديه من الأحوال والأقوال والأعمال، وحسن المآل، ولزوم الإقبال عليه والإصغاء إليه، والمثول بين يديه في كل وقت من الأوقات وحال من الأحوال على حسب الإمكان من غير أداء إلى السآمة والملال".

تلاميذ العز:

من أهم تلاميذ العز الذين نهلوا من علمه، وتربوا على يديه:

(الإمام ابن دقيق العيد - وشهاب الدين القرافي - وأحمد بن فرح الأشبيلي المحدث الفقيه - وشرف الدين الدمياطي - وأبو شامة النحوي الأصولي المؤرخ، وغيرهم... ).

من أهم مؤلفاته:

الصفحة السابقة الصفحة التالية