شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

سياحة روحية في الصحة والمرض "حوار"

صوت السلف • حوارات

- زوجات الدعاة بشر من البشر، وعادة ما يطلبون من أزواجهم تأمين مستقبل الأولاد، وهذا حدث أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث طلبت زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- منه زيادة النفقة والتوسعة عليهن؛ فما رأيك في هذه المسألة؟

الحقيقة أن طلب تأمين مستقبل الأولاد لم يحدث معي ولله الحمد، ولكنها تحدث كثيرًا مع آخرين، وهذه مطالبة بشرية عادية، ومقتضى البشرية هو طلب التوسع في الدنيا.

ولكن هذا لم يحدث من زوجتي؛ ولكن يحدث هذا من أولادي الذين يطلبون التوسعة عليهم، وأنا حريص على أن يعيش أولادي دون توسعة زائدة، وأن يعيشوا في القصد حتى لو كنت أملك السعة، وذلك تطبيقًا لقوله -صلي الله عليه وسلم-: ( وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

فأنا يمكن أن تكون عندي سَعة أكثر من غيري؛ ولكنني لا أحب أن يتعود أولادي علي الرفاهية الزائدة عن الحاجة، ولو حقق الإنسان كل رغبات أهله وأولاده الدنيوية؛ فإن ذلك قد يتعسهم ويشقيهم في الحياة بعد ذلك، فضلاً عن الآخرة؛ وخاصة إذا تحكمت فيهم هذه الرغبات؛ فإنني مثلاً أحاول مع أولادي في عدم شراء حذاء أو "كوتشي" لأحدهم أغلى من مائة جنيه، وهم يقولون لي: يا أبي أنت لا تعيش الآن في الدنيا.

- هذا الجيل يختلف عن جيلنا الذي عاش حياة متقشفة حتى قبل التزامه، وكانت حياته أكثر جدية، وأنا مازالت أقول لأولادي: كان معي زميل في ثالثة طب وكان ثمن حذائه وقتها مائتين وعشرين قرشًا. وأناقش أولادي وأشرح لهم هذه المفاهيم؛ فهل للقصد أثر تربوي علي الطفل؟

بلا شك له أثر إيجابي، وأنا أظن أن والدي قد ربانا على ذلك، وكم كنت أود أن أكون مثل والدي! ولكنني أكثر تساهلاً معهم، ولكنني أحب أن يتربى الابن على التوازن في الحياة حتى لا يكون أسيرًا لنمط معين في الحياة.

فأنا أعرف أشخاصًا دخلوا المعتقل فلم يتحملوا الحياة فيه؛ لأنهم تعودوا علي نمط معين في الحياة وهم لا يستطيعون التخلي عنه.

- كيف ذلك؟ هل هو التعود علي نمط معين من الطعام والفراش والأثاث ونحو ذلك؟

نعم؛ فهناك من يبكي عندما يُحرَم من عاداته ونمط حياته، الذي أصبح أسيرًا له لا يستطيع فراقه ولا فطام نفسه عنه.

إذا حقق الإنسان كل رغبات أهله وأولاده الدنيوية؛ فإن ذلك قد يتعسهم ويشقيهم في الحياة بعد ذلك، فضلاً عن الآخرة؛ وخاصة إذا تحكمت فيهم هذه الرغبات

- ألم يكن من الصحابة من هو مثل مصعب بن عمير كان غنيًّا ومرفهًا، وعندما أتى وقت الجد كان رجلاً وصار شهيدًا؟

نعم، لقد كان مصعب بن عمير قمة في الرفاهية والغنى والتعطر أو "النزاهة" بلغة العصر؛ ولكن كل ذلك لم يأسره عندما أسلم؛ لأن الإسلام كان أعظم في قلبه من كل أغراض الدنيا كلها، ولذلك أهم شيء في الأمر كله هو التربية الصحيحة للقلوب والجوارح.

ولذلك لا داعي للرفاهية الزائدة؛ لأنها قد تأسر العبد عن الوصول إلى مراد الله -سبحانه وتعالى- منه.

- من هو أول شخص رأيته قبل العملية وبعدها؟ وماذا قلت بعد إفاقتك من التخدير؟

الدكتور جمال شقيقي كان معي قبل وأثناء وبعد العملية، وهو ليس مجرد أخي في النسب؛ ولكنه قبل ذلك وبعده أخي في الله وحبيبي.

والحمد الله أخر شيء قلته هو أذكار النوم، أما أول شيء قلته بعد إفاقتي لم أعرفها؛ ولكن د. جمال قال لي: لقد قلت بعد إفاقتك مباشرة: "لا إله إلا الله".

- هل تفكرت في هذه اللحظات في مستقبل دعوتك؟ وهل أديت واجبك نحو إنشاء أجيال متعاقبة من الدعاة الصالحين؟ أم شعرت بالتقصير في هذا الأمر في هذه اللحظات؟

أنا لا أعفي نفسي من التقصير؛ ولكنني أشعر بالاطمئنان لمستقبل الدعوة لأن الله هو الذي يحفظها وذلك بفضل الله ورحمته وهو أرحم الراحمين.

والحمد لله هناك أجيال متعاقبة من الدعاة في كل مناطق إسكندرية، وكذلك خارجها علي نفس المنهج قادرون علي تحمل هذه المسئولية.

- هناك بعض الدعاة يهتم بأن ينتقل بدعوته من مكان إلي مكان دون أن يربى جيلاً من الدعاة يحمل رسالته من بعده، وبعضهم يخشى من ذلك فلا يدرب أحدًا، ولا يترك فرصة للآخرين ويستأثر بالمنبر وحده؛ فما رأيك؟

هذا الداعية علي خطر عظيم؛ فالداعية الذي يحرص علي أن تبقى الدعوة مستمرة بذاته فهو في الحقيقة يدعو إلي نفسه وليس إلي الإسلام، والدعوة شرطها الإخلاص، وتأمل قوله تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ) (يوسف: الآية108) . فهو يدعو إلي الله ولا يدعو إلي نفسه.

وبعض الدعاة يدعو في الحقيقة إلى نفسه ولا يدعو إلى الله، ويجمع الناس حول شخصه، وإذا فعل ذلك فإن الدعوة تمرض إذا مرض، وتموت إذا مات، وتختفي إذا اختفى، وتفتن إذا فتن.

- بعض الدعاة ينظر إلى هذا الأمر بأنانية ظاهرها حب الدعوة الكامل، وباطنها الأثرة؛ فلا يعطي مساحة لتلاميذه؛ فما رأيكم في هذا الداء؟

هؤلاء الذين يفعلون ذلك لا يفهمون حقيقة الأمور لا بقلوبهم ولا عقولهم، هؤلاء التلاميذ إضافة له وليس خصمًا، وعلى الداعية أن يسعد إذا تفوق تلميذه عليه.

- هل هناك اليوم من الدعاة من يقول لتلميذه كما قال الراهب للغلام: "أنت اليوم أفضل مني"؟

هذه قليلة اليوم؛ ولكن المهم أيضًا أن يحب الداعية من هو أفضل منه حتى تتكون أجيال متتابعة من الدعاة.

- هل هناك جديد في دعوة المدرسة السلفية بالإسكندرية؟

لا بد أن نهتم جميعًا اليوم اهتمامًا كبيرًا بالمعاني القلبية والإيمانية أكثر من ذي قبل، لقد خضنا معركة كبيرة لترسيخ الهدي والهيئة الإسلامية الظاهرة في المجتمع المصري، وكان المجتمع قبل ذلك لا يقبل بهذه الهيئة وينكرها؛ ولكن الوضع الآن تغير؛ فقد استقر الهدي الظاهر بين المسلمين وأصبح شائعًا ومألوفًا بين الناس.

والآن علينا أن نخوض معركة أخرى أهم؛ هي معالجة الآفات الباطنة والأدواء القلبية.

- هل تعتقد أن باطن الإثم يحتاج إلي تركيز المربين والدعاة داخل الحركة وخارجها، أم أن ظاهر الإثم هو الأهم؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية