سياحة روحية في الصحة والمرض "حوار"
صوت السلف • حوارات
الجزء الأكبر والأعظم من الخلافات بين الحركات الإسلامية مردها إلي باطن الإثم في الأصل والأساس؛ ألم يقل الله: "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم"؟ وإذا كان هذا قد حدث من قبل مع أتباع الرسل من قبل، فمن الطبيعي أن يحدث ذلك اليوم بين الحركات الإسلامية؛ فعلينا اليوم أن نركز على معالجة باطن الإثم كما تقول.
لقد قطعنا شوطًا كبيرًا في معركة الظاهر، واليوم علينا أن نقطع شوطًا أكبر منه في معركة أمراض الباطن والقلب التي تفشت بين العوام والخواص، مع عدم إغفال الاهتمام بالهدي الظاهر والحفاظ على ما تحقق من انتصارات للحركة الإسلامية فيها.
بعض الدعاة يدعو في الحقيقة إلى نفسه ولا يدعو إلى الله، ويجمع الناس حول شخصه، وإذا فعل ذلك فإن الدعوة تمرض إذا مرض، وتموت إذا مات، وتختفي إذا اختفى، وتفتن إذا فتن
- ولكن كيف تتم معالجة باطن الإثم في الحركة الإسلامية وخارجها مع غياب الدعوة والتربية في المساجد في مصر؟ فهل تصلح القنوات الفضائية أو مواقع النت لتحل ولو جزئيًّا بدلاً من المسجد؟ أم أن المسجد له خصوصية خاصة في التربية لا تتوفر لمثله؟
أقول دائمًا إن الذين تربوا علي النت أو الفضائيات أو على القناعات الشخصية هو هذا الجيل الذي يمكن أن تخرج منه الأفعال غير المنضبطة بالشرع، أو المدركة للواقع ويمكن أن تظهر فيه الأفكار المنحرفة.
أما الذين تربوا في المساجد فهم أفضل نوعية إسلامية موجودة؛ ولذلك فإنني أطالب دومًا بأن تأخذ المساجد أكبر مساحة في التربية الإسلامية.
- أنت عشت حياتك الدعوية والتربوية كلها في المساجد؛ فهل للمسجد أثر خاص على القلب لا يحدث للعبد المسلم في أي مكان أخر؟
نعم؛ لأن المسجد ببساطة هو أحب الأماكن إلى الله، والذي يرتبط بالمسجد يكون داخلاً في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ( ورجل قلبه معلق بالمساجد )؛ فكيف لا يكون للمسجد الأثر الهائل الذي نعرفه جميعًا في إصلاح النفس الإنسانية؟!
- ولكن ما هو الأثر "السحري" للمسجد علي النفس الإنسانية والذي يندر أن يوجد في مكان آخر؟
لا أدري كيف يؤثر المسجد بالضبط في النفس الإنسانية؛ ولكن ما نعرفه جميعًا أن إنسانًا يمكن أن يتربى على الكتب ولكنه يصبح سيئًا، وآخر يمكن أن يتربى على النت ويصبح كذلك سيئًا، وثالث يمكن أن يتربى على القنوات الفضائية ويصبح كذلك سيئًا، ولكن المسجد هو مكان الصلة الحقيقية والعميقة بين العبد وربه، وهو مكان العبودية الحقة لله سبحانه وتعالى، وهو يعطي النفس سكينة لا تحصل له في أي مكان آخر.
وهو في نفس الوقت مكان الصحبة الصالحة؛ فالصحبة الصالحة والاجتماع على الخير لا تحصله من نت أو قناة فضائية أو نحو ذلك مثل ما تحصله من المسجد.
وكذلك هو مكان التعلم والتعليم والتوجيه والتربية المباشرة دون وسيط؛ فإذا فقدت هذه المعطيات فمن الصعب تعويضها في مكان آخر.
- هل تعتقد أن جيل السبعينات في الحركة الإسلامية كان مميزًا لأنه تربى كله في المساجد؟
نعم، أظن ذلك.
- هل تختلف التربية الإسلامية في الأزهر بعد أن تركوا دراستهم السابقة في المساجد وبجوار أعمدتها عنها الآن؟
أظن ذلك؛ فالمحاضرة التي يقولها الشيخ في المسجد قد تكون هي نفس المحاضرة التي يقولها في قاعة من قاعات الجامعة، ولكن الأثر مختلف تمامًا؛ لأن المسجد مرتبط بالعبادة فهو يصلي قبل المحاضرة، ويصلي صلاة ثانية بعدها، والعلم والتعليم الديني بالذات إذا لم يرتبط بالعبادة في حس المدعو وشعور المبتدئ يكون مجرد علم بلا عمل ولا طاعة، وهي أشبه ما تكون بأي محاضرة دنيوية يحضرها الطالب للامتحان والنجاح في الامتحان والتخرج فقط.
ولكن الشاب حينما يذهب للمسجد فهو يرتبط أولاً وقبل كل شيء بعبادة الله أصلاً، وهو يعتبر التعلم رسالة يعبد بها ربه ويتقرب بها إلي الله.
- من هو أخلص تلاميذك؟
هذا سؤال صعب، وقد أنسى بعضهم فيحزن، وقد يكون فتنة لمن ذكرته؛ فالأولي عدم الإجابة.
- تلميذ من تلاميذك كنت تأمل فيه خيرًا كثيرًا ولكنه فارق الحياة.
الأخ "سعيد معتمد" من إخوة مطروح، والأخ "علاء مقبل"، وقد أصابهما السرطان وهما شابَّان، وهما من أفاضل الإخوة الذين تربوا تربية جيدة وصالحة، وكان لهم أثر كبير في الدعوة، وإلي الآن لا أستطيع تعويضهما.
- بمناسبة السرطان الذي أصاب الكثير من المسلمين الآن؛ ألا يقاس مريض السرطان على المبطون وعلى الطاعون فيلحق بالحديث الشريف الذي يعتبر هؤلاء شهداء؟
أولاً: هذان الأخوان كان عندهم سرطان في البطن، وهذا ينطبق عليه حديث: ( والمبطون شهيد ). أنا لا أقصد السرطان في البطن فقط؛ ولكن أي سرطان الآن: العلة التي تجمع مريض السرطان بالطاعون أو المبطون واحدة فيلحق الأول بالآخر، ولعل الرسول -صلي الله عليه وسلم- أراد بالمبطون الأمراض الباطنة المستعصية مثل السرطان ونحوه؛ مثل "اللوكيميا" ونحوه من سرطانات الدم؟
أعتقد -والله أعلم- أن المبطون هنا هو كل مريض بالبطن، وأظن أن ذلك هو التفسير الصحيح المذكور عند السلف، وأنا لا أحب التعدي أو القياس في تفسير هذا الحديث؛ فأنا أحب الوقوف عند التفسير السلفي في هذه الأمور، وهو أمر غيبي لا يصح فيه القياس، ولكن الأدلة العامة في البلاء وفضله قد تغنينا عن هذا القياس.
- ألم يتم تحريم الأفيون والحشيش قياسًا على الخمر؟
نعم؛ لأن العلة معلومة.
- أما العلة الجامعة للطاعون مع السرطان هي شدة الألم وقسوة المرض وأنه لا يترك العبد حتى يقتله، وكذلك جهد البلاء الذي استعاذ منه الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟
أنا لا أرى أن هذا الأمر بالذات يدخل فيه القياس، والله أعلم.
- تعاملت كثيرًا مع الآلام كطبيب؛ فهل هذه أول مرة تتعامل معها كمريض؟
لا؛ فقد تعاملت معها كمريض كثيرًا؛ فقد كانت عندي حصوة في الكلى، وكانت تسبب لي مغصًا شديدًا، كان ألمًا شديدًا
- المغص الكلوي بالذات يشعر المريض أنه ذليل لله.. ويشعره بقوله تعالى: "وخلق الإنسان ضعيفا". أليس كذلك؟
نعم والله، وأنا مرة كنت أتحدث مع أخي وصديقي د. أحمد حطيبة وهو كان زميلي في الفصل في الثانوية؛ فقلت له: كم نقطة ضعف في الإنسان؟ كل خلية في الإنسان فيها نقطة ضعف.