شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بصمات الوضع والتحريف في مرويات الصلب والقيامة

أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من أهم الأحداث التاريخية عند عامة النصارى هي أحداث "صلب المسيح" وقتله ودفنه، ثم قيامته من الأموات، تلك الأحداث التي بنوا عليها فلسفة "العقيدة النصرانية"، فإذا دخل الشك في تلك الأحداث؛ انهارت فلسفة الإله المتجسد الذي نزل؛ ليصلب ويقتل فدية وكفارة للبشر وخلاصًا لهم، كما في "قانون الإيمان الكنسي" أنه -أي: المسيح-: "إله حق من إله حق من جوهر أبيه، مساوٍ للأب في الجوهر، مولود غير مخلوق، الذي من أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد وصلب وقـُبِر وقام من الأموات في اليوم الثالث كما هو مكتوب".

وتأمل تعقيبهم على دعوى "الصلب" و"القيامة" بقولهم: "كما هو مكتوب"، فكأن هذا اعتراف منهم بأن بقية "قانون الإيمان" ليس عليه دليل من "أناجيلهم"، وأنّ أصرح ما في تلك "الأناجيل" مما يدعم قانون إيمانهم إنما هو مرويات "الصلب" و"القيامة"، وهذا أمر معلوم لكل من اطلع على أناجيل النصارى أنها ليس بها نص صريح بكون المسيح -عليه السلام- "إله حق من إله حق من جوهر أبيه، ومساوٍ لأبيه في الجوهر وغير مخلوق"، بل بها من النصوص الصريحة ما تبين أنه عبد رسول ليس إلا.

وتضمنت تلك الكلمة: "كما هو مكتوب" أن العقائد لا بد أن تكون مكتوبة منقولة عن المسيح أو غيره من الأنبياء -عليهم السلام-، وعقائد النصارى -الأساسية- ليست منقولة عن المسيح ولا عن غيره من الأنبياء -عليهم السلام-، بل نصوص العهد القديم -"توراة موسى وكتب الأنبياء"- والعهد الجديد -"الإنجيل"- صريحة في نقض فلسفتهم وعقيدتهم وقانون إيمانهم، وقد سبق المسيح -عليه السلام- كثير من الأنبياء وعلم الناس منذ القدم جنس دعوتهم، وعلموا أن من كان من عند الله حقًّا؛ فلابد أن تكون دعوته موافقة لدعوة الأنبياء -عليهم السلام-، وأن من علامات المتنبئ الكذاب أن دعوته مخالفة لدعوة الأنبياء -عليهم السلام-، فإما أن نقول: إن دين المسيح هو ما جاء بـ"قانون الإيمان الكنسي" المخالف لدين الأنبياء -عليهم السلام-، ففي هذا أعظم دليل على كذبه وافترائه حاشاه -عليه السلام-، وإما أن نقول: إنه بريء مما زعمه هؤلاء بقانون إيمانهم، وأن دعوته موافقة لدعوة من سبقوه من الأنبياء، وهذا هو الحق اللائق به -عليه السلام-.

ونقد "قانون الإيمان الكنسي" يطول جدًّا سواء من ناحية مخالفته لآثار النبوة أو من ناحية مخالفته للعقول والفطر السليمة، ولبيان ذلك مقام آخر، وقد تقدم أن فلسفة ذلك القانون مبنية على تلك الأحداث التي هي من الناحية التاريخية مظنونة ومشكوك فيها، وليس لديهم دليل قاطع على إثباتها أو نفيها.

والمسلمون وإن كانوا يقطعون بنجاة المسيح -عليه السلام- ورفعه دون صلب أو قتل فدليلهم على ذلك: خبر المعصوم -صلى الله عليه وسلم-، لم يقطعوا بذلك لأدلة تاريخية أو غيرها، فيبقى النظر: هل هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حقًّا؟ فهذا دلائله -بفضل الله تبارك وتعالى- من أكثر وأعظم ما يكون.

ولما أراد واضعو "قانون الإيمان الكنسي" أن يحتجوا على ثبوت تلك الأحداث زعموا أن هذا هو "المكتوب"، ولقد كان ينبغي عليهم أن يحققوا أسانيد ذلك المكتوب، ويميزوا بين ما يصح نسبته للمسيح ولتلاميذه وما لا يصح، لا سيما أن "الأناجيل" "المكتوبة" التي رفضوها، ولم يستندوا عليها كانت كثيرة جدًّا -كما يذكرون ذلك بتواريخهم-، ولم يبينوا لماذا تركوا تلك "الأناجيل" وقبلوا غيرها؟! ولكن إن تجاوزنا تلك العقبة أو غضضنا الطرف عنها وذهبنا مباشرة إلى متن "المكتوب"؛ وجدنا به من بصمات الوضع والتحريف -أو على أحسن تقدير: الظن والوهم والغلط- ما هو حجة على عدم مصداقية أناجيلهم عمومًا ومرويات "الصلب" و"القيامة" خصوصًا.

والمحور الأول والأساس الذي يعتمد عليه النصارى هنا هو: نبوءات المسيح -عليه السلام- عما سيقع له، وأنه أخبر بذلك قبل حدوثه فلا يمكن أن يكون إلا ما أخبر به.

ونستطيع أن نقسم تلك النبوءات إلى قسمين:

القسم الأول: نبوءات ينقلونها على لسان المسيح -عليه السلام- بأوضح الألفاظ وأصرحها.

القسم الثاني: نبوءات ينقلونها على لسان المسيح -عليه السلام- بألفاظ تحتمل معانٍ أخرى غير "الصلب" و"القيامة"، وبصمات التحريف تظهر للناقد المنصف في كلا القسمين، والقسم الأول أمره أخطر، ولكن -بفضل الله تبارك وتعالى- بصمات التحريف فيه أعظم وأكثر.

يتفق "متى" و"مرقص" و"لوقا" على أن المسيح -عليه السلام- أخبر تلاميذه أكثر من مرة أنه سوف "يصلب ويقتل ويدفن وفي اليوم الثالث يقوم"، مرة وهم بـ"قيصرية فيلبس"، ومرة وهم بـ"الجليل"، ومرة وهم ذاهبون إلى "أورشليم" -"القدس"-، ومن الملاحظ أن المسيح -عليه السلام- لما أخبرهم بذلك -على زعمهم- بالمرة الأولى وهم بـ"قيصرية فيلبس" كان الكلام واضحًا صريحًا مفهومًا للتلاميذ جميعًا، حتى إن "بطرس" -رئيس التلاميذ- تعجب من هذا الكلام جدًّا، وقال للمسيح -عليه السلام-: "حاشاك" كما في "متـَّى"، وفي "مرقص" مثله، وزاد عليه: "وقال القول علانية".

إن هذه النبوءة -على زعمهم- من أصرح وأوضح ما يكون، فينبغي حينئذ أن يكون ذلك مستقرًا عند التلاميذ، ليس فيه شك ولا غموض، لكن بصمات التحريف تظهر بـ"الجليل" بالمرة الثانية لذات النبوءة، يقول "مرقص" على لسان المسيح -عليه السلام-: "إن ابن الإنسان –أي: المسيح- يُسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث"، ويعلق "مرقص" على ذلك بقوله: "وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه".

الصفحة التالية