بصمات الوضع والتحريف في مرويات الصلب والقيامة
أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان
إن النتيجة البديهية التي يستنتجها الناقد المنصف من هذا التعليق أن المسيح -عليه السلام- لم يقل لهم القول "علانية" كما يزعمون، ولم يقل لهم أنه سيقتل ويدفن ويقوم في اليوم الثالث كما ينسبون ذلك له؛ إذ هذا الكلام بهذه الألفاظ من أوضح ما يكون، ويفهمه كل أحد، فمقتضى تعليق "مرقص" على تلك النبوءة الثانية بـ"الجليل" أن كلام المسيح -عليه السلام- كان كلامًا مجملاً محتملاً حتى إنهم لم يفهموا مراده بهذا الكلام، ولكن كتبة "العهد الجديد" لما نقلوا كلامه؛ قلبوه مفسرًا صريحًا حسب فهمهم الذي استفادوه من الأحداث التي حكيت لهم، ومما يؤكد ذلك أن "لوقا" لما حكى نبوءة "الجليل"؛ لم يحكِ قتلاً ولا دفنـًا ولا قيامة، وإنما حكى التسليم فقط.
قال "لوقا" على لسان المسيح -عليه السلام-: "ضعوا أنتم هذا الكلام في آذانكم، إن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس"، ويعلق "لوقا" على هذا الكلام بقوله: "أما هم فلم يفهموا هذا القول، وكان مخفيًّا عنهم؛ لكي لا يفهموه، وخافوا أن يسألوه"، والقدر الذي قد يدخله الإشكال وعدم الفهم هو: "التسليم لأيدي الناس"!
من الذي سيسلمه؟ ولمن؟ ولماذا؟ وماذا يريدون أن يفعلوا به؟ وهل ينجو من أيديهم أم يوقعون به ما أردوا؟ ونحو ذلك، فحينئذ يكون عدم الفهم منطقيًّا، أما أن يكون الكلام من الوضوح والصراحة كما يزعمون ويذكرون عن الصلب والقتل والدفن والقيامة فهذا يفضحه تعليق "مرقص" و"لوقا" على النبوءة الثانية التي كانت بـ"الجليل".
ولسنا بحاجة لتتبع بصمات التحريف بالنبوءة الثالثة التي كانت عند ذهابهم لـ"أورشليم"؛ فإن تعليق "مرقص" و"لوقا" على النبوءة الثانية بـ"الجليل" يبين الطريقة التي يتعاملون بها مع نبوءات المسيح -عليه السلام-، وأنهم قد ينقلون الكلام المحتمل الذي لم يفهموه بألفاظ مفهومة بينة لكل من يسمعها، فكيف نصدقهم بعد ذلك وهم يحكون نفس النبوءة، ولكن بمكان آخر؟!
ولكن "لوقا" يؤكد ظننا، فبعد ما يحكي نبوءة المسيح بـ"أورشليم" عن قتله ودفنه وقيامته يعلق "لوقا" على ذلك بقوله: "وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا، وكان هذا الأمر مخفي عنهم، ولم يعلموا ما قيل".
أما "يوحنا" كاتب الإنجيل الرابع فلا يعرف شيئًا عن تلك النبوءات الثلاث، ولا يذكر حرفـًا منها بإنجيله، ولو كان عنده أدنى علم بها؛ لما كتمها أبدًا، ولسجلها بإنجيله؛ إذ تكون حينئذ من أهم نبوءات "العهد الجديد" على الإطلاق.
ومما يزيد الأمر وضوحًا وتأكيدًا: أن كتبة "العهد الجديد" اتفقوا أن المصلوب دفن ليلة "الجمعة"، وطلبوا قبره فجر الأحد؛ فوجدوه فارغـًا، فيكون أقصى تقدير لمكثه بالقبر يومان وليلتان لا ثلاثة أيام بلياليهن كما تزعم النبوءات المحرفة بـ"العهد الجديد"، وهذا الاتفاق منهم على ذلك يفسد كل النبوءات التي ذكر فيها "قيامة المسيح" -عليه السلام- بعد ثلاثة أيام من دفنه.
ومما يزيد الأمر تأكيدًا -أيضًا- أنه لو كانت تلك النبوءات صريحة -كما يزعمون-؛ لما جاءت النسوة -"مريم المجدلية ومريم أم يعقوب، وغيرهن"- إلى القبر فجر الأحد؛ ليدهنّ جسد المدفون بالطيب؛ ففوجئن بالقبر فارغـًا! فاندهشن وتحيرن لذلك!
فلو كان عندهن أدنى علم بتلك النبوءات؛ لما اندهشن، ولا تحيرن عند رؤية القبر الفارغ، بل بالعكس، يمتلئن فرحًا وسرورًا لـ"قيامة المسيح" -عليه السلام- وتحقق نبوءاته.
وكأن "لوقا" أراد أن يسد تلك الثلمة فزعم أنهن نسين كلام المسيح حتى ذكرهن بذلك الرجل ذو الثياب البيضاء -المـَلَك- عندما قابلنه عند القبر الفارغ متحيرات مندهشات، فقال لهن: "لماذا تطلبن الحي بين الأموات ليس هو ههنا، لكنه قام، اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في "الجليل" قائلاً: إنه ينبغي أن يسلم لأيدي الخطاة ويصلب، وفي اليوم الثالث يقوم. فتذكرن كلامه".
ودع عنك أمر هؤلاء النسوة، وهل حقـًا نسين الكلام أم أنهن لم يسمعن كلامًا أصلاً؟ فإن الأشنع من ذلك أنهن لما ذهبن إلى التلاميذ وأخبرنهم بهذا كله: "تراءى كلامهن لهم كالهذيان، ولم يصدقوهن" كما يذكر "لوقا".
ويقول مرقص: "فلما سمع أولئك أنه حي؛ لم يصدقوا"، ولمّا ظهر -بزعمهم- لبعض التلاميذ وأخبروا الباقين "لم يصدقوا" كما في "مرقص" –أيضًا-، و"لوقا" يذكر أن "بطرس" كان من جملة التلاميذ الذين لم يصدقوا! وأنه ركض إلى القبر؛ فلما رآه فارغـًا "؛ مضى متعجبًا في نفسه مما كان". ولا تعليق.
أما "يوحنا" فإنه يقول: "إن بطرس لما رأى القبر فارغـًا؛ آمن؛ لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات"!!
فـ"يوحنا" يشهد هنا عليهم أنهم لم يكن لهم علم من الكتاب بصلبه وقيامته، فما أعظمها من شهادة عليهم بكذب تلك النبوءات المذكورة، ودخول اللعب والوضع والتحريف لألفاظها أو لمعانيها أو لهما معًا.
ومن تلك النبوءات التي يدعمون بها عقيدتهم: ما رواه "متـّى" أن اليهود سألوا المسيح -عليه السلام- آية، فقال لهم: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية "يونان" النبي -يعني: يونس عليه السلام-؛ لأنه كما كان "يونان" في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال"، ومن الملاحظ أن هذه النبوءة تحتمل معانٍ عدة، فينبغي لمن يستدل بها أن يبين دليل اختياره لإحدى تلك المعاني، لا سيما وقد قدمنا أن المصلوب لم يمكث في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليال كما يريدون أن يثبتوا ذلك بتلك النبوءة المزعومة.
والنصارى يزعمون أن المسيح -عليه السلام- بعد قيامته ظهر لبعض المؤمنين به، ولم يظهر لأحد من أعدائه، ولقد كان ينبغي على مقتضى تفسيرهم لنبوءة "يونان" أن يظهر بعد قيامته للجيل الشرير -"اليهود"- الذين سألوه آية، فوعدهم بآية كآية "يونان"، فأي آية للجيل الشرير في ذلك وهم لم يشاهدوا قيامته ولا أبصروه بعدها، ولو كان تفسير تلك النبوءة ما زعموه؛ لما وسع "لوقا" أن يحذف ذلك التفسير من إنجيله، قال "لوقا" على لسان المسيح -عليه السلام-: "هذا الجيل الشرير يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية "يونان" النبي؛ لأنه كما كان "يونان" آية لأهل "نينوى" كذلك، يكون ابن الإنسان –أيضًا- لهذا الجيل".