رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (1-5)
الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيرى الكثيرون أن "الحملة الفرنسية على مصر" هي التي أيقظت "مصر" -والشرق- من سبات عميق، ونهضت بها من رقادها، لتبدأ نهضة حديثة على يد "محمد علي باشا"، والحقيقة أن "مصر" -والشرق- شهدت بوادر إصلاح ويقظة سبقت مجيء "الحملة الفرنسية على مصر"، وكانت تبشر بالخير، ولكن تيار "التغريب" و"العلمانية" الذي عصف بالمنطقة على يد حكامها قاد الأمة إلى تبعية للغرب، وساقها إلى ما نحن فيه الآن ونعاني منه.
لقد شهدت "الدولة العثمانية" تفوقًا ملموسًا في الميادين الداخلية والخارجية في القرون الهجرية الثلاثة -التاسع والعاشر وأوائل الحادي عشر-، ثم تدهورت أحوالها وبدأت في التأخر لعوامل عديدة من: ضعف السلاطين، وفساد الحاشية، وسوء الإدارة، والغلو في نزعة التصوف.
وزاد في أعباء "الدولة العثمانية" تعدد القوميات التي تحت حكمها خاصة مع إذكاء الدول الأوروبية للحركات القومية والطائفية في الأراضي العثمانية، وزاد الأمر سوءً ظهور النهضة العلمية والتقنية في "أوروبا" في القرن الثالث عشر الهجري -التاسع عشر الميلادي-، وانشغال "الدولة العثمانية" بالدفاع عن أراضيها ضد الزحف الاستعماري عليها، وكذلك مواجهة مشكلاتها الداخلية المتلاحقة، مما ساهم في تخلف العثمانيين عن مواكبة التطور العلمي والتقني الذي ساد "أوروبا".
وقد عانت المجتمعات الإسلامية من آثار هذا الضعف خاصة في ظل قفل باب الاجتهاد، وسد باب التجديد، وانتشار الجمود الفقهي، وشيوع البدع والخرافات الفكرية والعقدية في الأمة.
ولكن الأمة لم تخلُ من محاولة اليقظة والإصلاح؛ يقول "د.عبد اللطيف بن محمد الحميد" في تحقيقه لكتاب "تاريخ جودت" للمؤرخ التركي "أحمد جودت باشا" (1) : "وكانت إرهاصات دعوات الإصلاح إسلامية المبدأ، تعتمد على تراث الأمة منذ منتصف القرن الحادي عشر الهجري عندما وضع كل من "حسن كافي الأقحصاري" -ت 1024هـ-، و"قوجي بك" -ت 1060هـ-، و"حاجي خليفة" -ت 1067هـ- وغيرهم برامج إصلاحية ذات أسس إسلامية ومنطلقات سليمة، وقد اتسمت محاولات الإصلاح تلك بأنها كانت بعيدة عن تأثير الحضارة الغربية المجاورة، ولكن مع بداية القرن الثالث عشر الهجري ظهرت أفكار إصلاحية متأثرة بالحضارة الغربية" (2) .
"وبدأ الاقتباس بنقل شكليات ومظاهر المدينة الغربية دون جوهر التقدم العلمي والتقني" (3) ، "وبازدياد الضغط الأوروبي -الروسي والبريطاني والفرنسي- دخلت الإصلاحات العثمانية طورًا جديدًا في فرض التغريب على العثمانيين" (4) ، "ولا ريب أن الدولة العثمانية كانت بحاجة إلى كثير من الإصلاحات في نظمها وأسلوب إدارتها" (5) ، "ولكن الدول الغربية كانت تنادي بها لغاية واحدة هي منح الأقليات الغير مسلمة حريات وحقوقًا تتحول إلى امتيازات خاصة، تكون ذريعة للتدخل الأجنبي" (6) .
وانتابت "الدولة العثمانية" حالة من التخبط في ظل توجهين:
1- توجـُّه إسلامي في الإصلاح، ولكنه منقسم على نفسه بين اتجاهات محافظة، واتجاهات صوفية، واتجاهات تجديدية.
2- توجه ثقافي وافد يضم تيار "العلمانية" وتيار "القومية التركية"، إلى جانب أنشطة "التنصير"، و"الاستشراق"، و"الماسونية".
وصارت الدولة في الاتجاه التغريبي الوافد في مجال السياسة والإدارة والفكر والثقافة بتشجيع من بعض السلاطين فسارت الأمة نحو التغريب وعلمنة القانون والتعليم، ولقد وقف العلماء والمصلحون الإسلاميون في وجه الأفكار التغريبية الوافدة، ولكن كما قال "د.عبد اللطيف بن محمد الحميد": "ولكنها مواقف متباينة وغير منسقة بسبب توزع الاتجاهات الإسلامية وتنوعها" (7) ، فلم تنجح في وقت تيار التغريب.
وفي "الجزيرة العربية" ظهرت " دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب " الإصلاحية، والتي سعت إلى إيقاظ الأمة من غفوتها، وإعادتها إلى التمسك بهدي سلف الأمة، وإعادة بناء الأمة من جديد على التوحيد الخالص والهدي النبوي القويم، فلقد رأى "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ما وصلت إليه الأمة من الجهل والتخلف والانحطاط، فأراد أن تكون بداية الإصلاح من إصلاح أحوال الأمة الدينية.
وقد استطاع الوهابيون إقامة دولة قوية لها دعوتها الإصلاحية الجديرة بإيقاظ الأمة من غفوتها، ولكنها لم يكتب لها الاستمرارية؛ إذ تصدى لها "محمد علي باشا" صاحب التوجه التغريبي، ونجح في القضاء على نفوذها السياسي، وإن لم يقض على الدعوة الوهابية.
ومعلوم أن " الدعوة الوهابية " ودولتها سبقت مجيء "الحملة الفرنسية على مصر" بزمان، إذ إن "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" قد بدأ دعوته في عام 1153هـ - 1740م، ونجح في الاستيلاء على "الرياض" في عام 1187هـ -1773م-، وإقامة دولته الفتية في "نجد" وما حولها، واستكمل أتباعه جهوده من بعده؛ ففتحوا "الحجاز" وضموها إلى دولتهم قبل أن ينجح "محمد علي باشا" في القضاء على نفوذها السياسي، وقد استطاعت " الدعوة الوهابية " بمبادئها الإصلاحية السلفية أن تؤثـِّر -وما زالت- في المجتمعات الإسلامية داخل وخارج "الجزيرة العربية" إلى يومنا هذا.
أما في مصر:
فقد شهدت إرهاصات يقظة ثقافية علمية في أواخر القرن الثامن عشر، قبل مجيء "الحملة الفرنسية على مصر"، تصدرها علماء من "الأزهر"؛ إذ كان "الأزهر" وقتها الجهة المنوط بها العلم والتعليم، وقد أشار إلى ذلك "بيتر جران" أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المساعد بجامعة "تمبل" في "فيلادلفيا" بولاية "بنسلفانيا" بـ"أمريكا" في دراسته المسماة: "الجذور الإسلامية للرأسمالية": "مصر 1760م - 1840م" (8) ، وهي الفترة التي شهدت بوادر صحوة علمية ثقافية، هي انعكاس لواقع اجتماعي وتطور اقتصادي في مصر في هذه الفترة.
يقول "بيتر جران": "إن قوائم المخطوطات الممتازة بـ"الجامع الأزهر" و"بدار الكتب" تمثل مصدرًا رئيسًا؛ لرسم صورة واضحة لصحوة القرن الثامن عشر في مصر". ص: (17) .
ويقول: "لقد اكتشفت خلال هذا البحث أن علماء "الأزهر" كانوا في قلب عملية البناء الثقافي، وإذا تناولنا كتابات هؤلاء العلماء ككل نجد أن لها منطقها الذي ترسخ بقوة في البنية الطبقية". ص: (21) .