شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (1-5)

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

ويقول: "إن تحليل القرن الثامن عشر يتركز في المجالات القريبة من دراسات "الحديث" مثل التاريخ، وعلوم فقه اللغة المقارن. لقد حققت هذه الدراسات تقدمًا عظيمًا تميز بنشر النصوص ودراسة ومحاكاة النماذج الكلاسيكية".

"أما في المرحلة الثانية فقد تحول الاهتمام إلى الميادين التي تخدم دراسات علم الكلام مثل المنطق والجدل والطب والعلوم الطبيعية.

لقد حققت هذه العلوم صحوة عالمية، كما أنها سارت في طريق الاندماج في اتجاهات علمية أوسع كما حدث في "أوروبا"؛ خصوصًا في بلاد البحر المتوسط الأوروبية والتي استمرت في تطورها في فجر عصر الصناعة.

إن دراسة التطور الثقافي في مصر قد تكشف عن حقيقة هامة، وهي: أن عملية التطور وإعادة الإنتاج والإضافة في مجال الثقافة اعتمدت إلى حد كبير على عملية التفاعل بين المراكز الثقافية العديدة في الإمبراطورية العثمانية، وخصوصًا "دمشق" و"استانبول"، لقد كان الدارسون يرحلون من مكان إلى آخر؛ طلبًا للحج والتجارة، كما كانت دراستهم لا تنقطع في كل مكان يحطون فيه". ص: (23-24) .

ويقول: "والتحليل الموضوعي لهذه الصحوة الثقافية يدل على أنها كانت انعكاسًا لازدهار التجارة في نفس الفترة". ص: (10) .

ويقول: "كانت السنوات من 1760م إلى 1790م تمثل الفترة الرئيسة في الصحوة الثقافية في القرن الثامن عشر". ص: (147) .

ومن أشهر علماء هذه الفترة: "الشيخ محمد الزبيدي"، "والشيخ حسن العطار"، وهما يمثلان النموذج الثقافي في تلك الفترة وطليعته.

الشيخ محمد الحسيني الزبيدي:

هو محدث ماتريدي، ولد في "زبيد" ونشأ هناك، ثم رحل في طلب العلم، وجاء "مصر" سنة 1167هـ، وحضر دروس أشياخ زمانه، وما لبث أن ظهر فضله عند الخاص والعام، عرف اللغة التركية والفارسية (9) .

يقول "بيتر جران": "ويجد الباحث في شخصية "الزبيدي" أصول النظرية العلمية التي نمت في القرن التاسع عشر وتمثلت في الرموز الثقافية في تلك الفترة أمثال "حسن العطار" و"رفاعة الطهطاوي".

وإذا كان "الزبيدي" هو تلك الشخصية الفريدة في العصر الذي عاش فيه، كما كان أبرز كـُتـَّابه، فإن محاولة دراسة هذه الشخصية ودورها -ولو في الحديث فقط- يمثل عملاً ضخمًا؛ فكتاباته عديدة، والذين درسوا عليه كثيرون، ورحلاته واتصالاته واسعة، ويتضح من رواياته الخاصة أنه درس الحديث في "الهند" على "الشاه ولي الله"، وحصل منه على إجازة، كما ورد في رواياته –أيضًا- أنه درس بـ"الحجاز"، وصور "الجبرتي" لحظات وصوله إلى "مصر" عام 1754-1167هـ باعتبارها لحظات عظيمة في الحياة الفكرية في القرن الثامن عشر" (10) .

وكان لـ"الزبيدي" طلاب من الأتراك والمماليك والمصريين والعرب. "كما قام برحلات واسعة إلى الصعيد" (11) ، "وإلى جانب الدور التعليمي لـ"الزبيدي" اشتهر –أيضًا- بأبحاثه في الحديث" (12) .

"كان "الزبيدي" واسع الاطلاع كما كان له طريقته المتميزة في التعليم، وكان ذلك مصدر مكانته الرفيعة في "مصر" في أواخر القرن التاسع عشر، واعتاد عند إلقاء دروسه في الحديث أن يقدم سلسلة الرواة كاملة، وكان يعرفها عن ظهر قلب، ويتبعها بذكر بعض الأبيات من الشعر، وبينما كانت سمعة "الزبيدي" تزدهر في "مصر" تحول من رواية الحديث إلى تحليل الحديث، ومن هنا كانت دروسه مثيرة للإعجاب، وكان يلقيها في المساء بمنزل أحد الأعيان، وهناك سمة جديرة بالانتباه وهي: حضور النساء والأطفال هذه الجلسات العلمية" (13) .

يقول "جورجي زيدان" في كتابه "مصر العثمانية" عن "الزبيدي": "وزادت منزلته على الخصوص لما فرغ من كتابه "تاج العروس"، وهو أشهر مؤلفاته، وفي شهرته ما يغني عن وصفه، فإنه يدخل في عشرة مجلدات، طبع في "القاهرة" سنة 1306هـ، وفي صدره مقدمة نفيسة في اللغة ومراتب اللغويين" (14) "وله كتاب "نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح" منه نسخة خطية في "برلين"، وله كتب أخرى" (15) .

وقد توفي -رحمه الله- سنة 1205هـ قبل مجيء "الحملة الفرنسية على مصر" (16) .

الشيخ حسن العطار:

من أصل مغربي، ولد في "القاهرة" عام 1180هـ -1766م-، وقيل: بعد هذا التاريخ بعامين، وكان والده عطارًا.

يقول "د/ محمود حمدي زقزوق" عنه: "كان حاد الذكاء، شغوفًا بالعلم، فحفظ القرآن والتحق بالجامع "الأزهر"، وقد درس بجانب العلوم الأزهرية العلوم الهندسية والرياضية، والفلكية وتعمق في دراستها، واشتغل بالتطبيق العملي للمعارف التي تعلمها نظريًّا، فقد كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية، كما كان يتقن الرصد الفلكي بالاسطرلاب. وقد سجل هذا في مؤلفاته" (17) .

"وعندما ابتليت البلاد بـ"الحملة الفرنسية"؛ غادر "القاهرة" إلى "أسيوط"، ثم عاد إلى "القاهرة" إبان الاحتلال، واتصل بـ"علماء الحملة الفرنسية" وشاهد التجارب العلمية التي قاموا بها، ثم سافر إلى "مكة" للحج، ومنها إلى "فلسطين"، ثم رحل إلى "الشام"، وأقام بـ"دمشق" ثم سافر إلى "استانبول" و"ألبانيا". وكان يجيد "التركية"، وله إلمام بـ"الفرنسية"، وكان يطلع -دائمًا- على الكتب المعربة، وكان له ولع شديد بسائر المعارف البشرية كما يقول عنه صديقه المؤرخ "الجبرتي"، وبعد أن تخلصت البلاد من الاحتلال الفرنسي عاد إلى "القاهرة" وقد عمد إليه "محمد علي باشا" بإنشاء جريدة "الوقائع العربية" -المصرية- والإشراف على تحريرها، وكان أديبًا وشاعرًا معدودًا في طليعة الأدباء والشعراء في عصره، وكان يحضر دروسه في "الأزهر" الكثير من العلماء والطلاب".

"ومن بين من كان يحضر مجالسه من المستشرقين: المستشرق الإنجليزي المعروف "إدوارد وليم لين" - e .w . Jone -. وقد تولى الشيخ "حسن العطار" "مشيخة الأزهر" عام 1246هـ -1830م-، وظل في هذا المنصب حتى وفاته عام 1250 هـ -1834م-" (18) .

ويقول "د. محمود حمدي زقزوق": "لـ"لشيخ العطار" مؤلفات عديدة تدل على سعة معارفه وعميق ثقافته، وقد شملت مؤلفاته علوم المنطق، والفلك، والطب، والكيمياء، والهندسة، والتاريخ والجغرافيا كما شملت الأدب، شعرًا ونثرًا، بالإضافة إلى أصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو والبيان" (19) ، وله "ثلاث مقالات طبية في الكي والفصد، ونبذة في علم الجراحة" (20) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية