شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أين إنجيل المسيح؟!

أحمد يحيى وزير • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيقول "شيخ الإسلام ابن تيمية" -رحمه الله-: "وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وجعله سلمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم، وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل، وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المَيْن، كما يظهر الصبح لذي عينين، عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو منقول". "مجموع الفتاوى 1/9" .

ويقول "محمد بن حاتم بن المظفر" -رحمه الله-: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارَهم، فليس عندهم تمييز ما نزل من "التوراة" و"الإنجيل" وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات .

وهذه الأمة الشريفة -زادها الله شرفـًا بنبيها -صلى الله عليه وسلم- إنما تنقل الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول فالأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر، حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه، ويعدوه عدًا، فهذا من أعظم نعم الله -تعالى- على هذه الأمة، نستوزع الله شكر هذه النعمة". "شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي ص " 65 " .

لو تأملت هذا الكلام ثم نظرت في عقائد النصارى وما يدينون به؛ لرأيت عجبًا، كيف يؤمنون بما لا يمكن إثباته، والشك متطرق إليه، بل الكذب والوضع ظاهر عليه؟!

إن أعظم ما ينقض جدار "النصرانية" لبنة لبنة حتى يدعه هباءً منثورًا هو "الإسناد"، فأي إسناد عند هؤلاء يجعلهم يخالفون الفطرة الربانية التي فطر الله العباد عليها، فيستبدلون الخبيث بالطيب، والكفر بالإيمان؟!

فالنصارى لا يعرفون عن معتقداتهم إلا أنها نصوص توارثوها جيلاً بعد جيل عمن حرف دينهم من حنيفية سمحة إلى وثنية عسرة، والعجيب أن تكون هذه النصوص المحرفة " خطوطا حمراء " لا يجوز المساس بها، ومن يحاول التشكيك في مصداقيتها فليس له إلا اللعن والطرد من الملكوت المزعوم، كما فعلوا مع إخوانهم من أهل ملتهم في " مجامع اللعنة ".

وإن أي مسلم لو تفكر في حقيقة ما عليه النصارى؛ لسهل عليه نقضه بسؤال واحد فقط: "أين إسناد تلك العقائد؟"، فمنذ اختلاف النصارى حول ألوهية المسيح -عليه السلام- وعقد "مجمع نيقية" عام "325م"، ثم استصدار "قانون الإيمان المسيحي" الذي يقرر ألوهية المسيح، تم اختيار أربعة أناجيل عليها مدار إيمان طوائف النصارى، وهي أناجيل: متى ومرقس ولوقا ويوحنا.

والسؤال الذي يطرح نفسه:

لماذا اختيرت هذه "الأناجيل" الأربعة دون غيرها مما هو أقدم منها؟

فقد أثبتت المخطوطات أن إنجيل "يهوذا" وجد في القرن الثالث الميلادي، أي: قبل ظهور "المجامع المسكونية" التي اختيرت فيها تلك الأناجيل الأربعة في القرن الرابع الميلادي! فكان الأولى أن يقدم "إنجيل يهوذا" على هذه الأناجيل، هذا إن تنزلنا في ثبوت "إنجيل يهوذا" أصلاً، وإلا فإنه ينطبق عليه ما ينطبق على هذه الأناجيل من فقدان السند المتصل إلى كاتبه.

وهذا السؤال وحده كافٍ لنفي قداسة تلك الأناجيل، فضلاً عن التدقيق والتحقيق حول أي منها؛ إذ لا يجد النصارى أي جواب حول سبب تقديم هذه الأناجيل الأربعة على السبعين التي رفضها "مجمع نيقية".

وأما تفاصيل الشكوك التي تنقض هذه الأناجيل فإليك بيانها:

1- ينقسم الكتاب الذي يؤمن به النصارى إلى قسمين: الأول منهما يطلق عليه: "العهد القديم"، وهو عبارة عن أسفار موسى -عليه السلام- وأسفار أخرى منسوبة لغيره من الأنبياء، ويطلق على ذلك تجوزًا اسم: "التوراة" وإن كان إطلاقها في الأصل على أسفار موسى فقط.

2- والنصف الثاني من الكتاب هو "العهد الجديد" الذي كتبه ثمانية رجال وهم: "متى" و"مرقس" و"لوقا" و"يوحنا"-أصحاب الأناجيل الأربعة-، و"بولس"، و"بطرس" و"يعقوب" و"يهوذا".

3- يزعم النصارى أن بعض هؤلاء من حواريي المسيح وهم: "متى" و"يوحنا" و"بطرس" و"يعقوب" و"يهوذا"، وأما "بولس" و"مرقس" فتنصرا بعد رفع المسيح، وأما "لوقا" فهو تلميذ "بولس".

4- يتكون "العهد الجديد" والذي يطلق عليه مجازًا اسم: "الإنجيل" من: الأناجيل الأربعة، ورسائل "العهد الجديد" التي تتكون من: "سفر أعمال الرسل" الذي كتبه "لوقا"، ثم "رسائل بولس" الأربع عشرة، ثم "الرسائل الكاثوليكية السبعة"، ثلاث منها لـ"يوحنا"، وثنتان لـ"بطرس"، وواحدة لكل من "يعقوب" و"يهوذا"، ثم رؤيا "يوحنا". فيكون مجموع الأسفار كلها سبعة وعشرين سفرًا.

أولاً "إنجيل متى":

1- يتكون "إنجيل متى" من "28" إصحاحًا تحكي حياة المسيح -عليه السلام-، وتزعم الكنيسة أن "متى" كاتب الإنجيل هو "متى الحواري" تلميذ المسيح، والذي ورد اسمه في إنجيل متى "10/3".

2- اختلف علماء النصارى حول توقيت كتابة "إنجيل متى" هل كان سنة (37) أو (38) أو (41) أو (43) أو (48) أو (61) أو (62) أو (63) أو (64)؟، ويرى المحققون أنه كتب الفترة من سنة (85) إلى (105) من الميلاد.

3- اختلف علماء النصارى حول اللغة التي كُتب بها "إنجيل متى" ومكان كتابته، وأكثرهم على أن "متى" استعمل اللغة العبرانية، فكتب إنجيله بها لليهود المتنصرين في "فلسطين"، والذين كانوا ينتظرون شخصًا موعودًا من نسل إبراهيم وداود، ثم ترجمه المترجمون كل واحد على قدر فهمه واستطاعته، وأما "متى" فهو لم يترجم إنجيله لليونانية، والمترجم غير معروف.

الصفحة التالية