رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (2-5)
الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأسوأ ما جاءت به "الحملة الفرنسية على مصر" أنها مهدت للتغريب في "مصر" و"العالم العربي"، وقوَّت تيار الإصلاح -المزعوم- على طريقة الحضارة الغربية الحديثة، في مقابلة الدعوى إلى الإصلاح بالعودة إلى التمسك بدين الإسلام من جديد، وهي دعوة بدأت مظاهرها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي كما بينا من قبل.
قامت "الثورة الفرنسية" في عام 1789م تنادي بـ"العلمانية"، وفصل الدين عن الدولة، والدعوة إلى القومية والوطنية، والمناداة بإطلاق الحريات، والمساواة والإخاء على الفهم الأوروبي المادي، وامتازت هذه الثورة بأنها ثورة دموية، أحدثت تغييراتها وثبتت مبادئها بالقتل وسفك الدماء، فقتلت عشرات الألوف من الفرنسيين، حتى أنها أتت على بعض من أبناء "الثورة الفرنسية" نفسها.
وجاء الفرنسيون إلى "مصر" مشبعين بمبادئ "الثورة الفرنسية"، ومتأثرين بما أحدثته وأوجدته في بلادهم، ويريدون نشره خارجها.
يقول الدكتور "السيد أحمد فرج" في كتابه "جذور العلمانية": "إن أول ظهور للعلمانية في المنطقة العربية كان مع قدوم "حملة نابليون" على "مصر"، حيث كان الجنود من الفرنسيين قد تشبعوا بروح "الثورة الفرنسية" العلمانية الرافضة لكل ما هو ديني، ولهذا كتب "الجبرتي" يصف الفرنسيين بأنهم "لا يتدينون بدين، ويقولون بالحرية والتسوية"، و"أنهم لا يتفقون على دين، فكل واحد منهم ينحو دينـًا يخترعه بتحسين عقله" (1) .
فهذا هو انطباع هذا المؤرخ المصري عن سلوك هؤلاء الفرنسيين خلال فترة الاحتلال، فكذلك غيره من المصريين.
يقول دكتور "مصطفى عبد الغني" في كتابه "حقيقة الغرب بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية ص31": "إن الغرب جاء إلينا في نهاية القرن الثامن عشر كمستعمر، أرسلت "الثورة الفرنسية" من يبحث لها عن أسواق جديدة ومستعمرات غنية، ومجدًا مهيبًا تواجه به ما ضاع أثناء صراعها مع الإنجليز" (2) .
يقول "عبد الجواد يس" في كتابه "تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر ص5": "لقد كانت هذه الحملة أول اتصال بين هذه الأمة ذات الجذور الإسلامية وبين الغرب، وقد أصبح ذا حضارة، كما أن الفرنسيين كانوا على وعي بالتغريب كهدف وارد في قائمة الغايات المنشودة من حملتهم" (3) . ويقول: "فقد حاول الفرنسيون استعداء المصريين على الأتراك المسلمين -وذلك في منشورات نابليون- عن طريق بعث الروح القومية الفرعونية والعربية مثيرين بذلك -لأول مرة في مصر- مفاهيم القومية العلمانية التي كانت قد برزت على سطح المجتمع الأوروبي بعد هزيمة الكنيسة في صراعها مع الملوك الزمنيين" (4) .
ثم يقول بعدها في ص(6): "لقد كانت المرحلة اللاحقة على الحملة الفرنسية -مرحلة محمد علي وخلفائه- امتدادًا شبه طبيعي لها، استهدفت نفس أهدافها، وانتهت إلى ذات النتائج والتي كانت مرجوة لديها، ثم أسلمت مصر في نهاية المطاف لعناصر الغربيين الأصلاء ممثلين في الاحتلال العسكري البريطاني ولعناصر المتغربين العملاء".
ويقول في ص(37): "وأصبح المراد لمصر على لسان حكامها: أن تكون قطعة من "أوروبا" كما قال الخديوي إسماعيل وهو ينقل مصر إلى قوانين فرنسا مستبدلاً أحكامها بالذي هو خير، وحتى ذلك الحين لم تكن الحقبة الاستعمارية في مصر قد بدأت؛ إذ دخل الانجليز مصر في سنة 1882م".
لذا؛ لم يكن غريبًا أن يسعى "محمد علي باشا" بعد تولي حكم مصر أن يتخلص من زعماء "الأزهر" وشيوخه بالنفي والإبعاد، كما تخلص من أمراء "المماليك" بالقتل والاستئصال، ثم جعل نهضته مبنية على من بعث بهم في إرساليات وبعثات إلى "أوروبا"؛ ليقودوا هم الأمة بفكر متأثر بالغرب العلماني بعيدًا عن تأثير "الأزهر" ورجاله.
لقد "كان للفرنسيين دور من هيأ التربة بدرجة ما لتستقبل البذور، التي كان أول من غرسها "محمد علي باشا"، حين خلص له حكم مصر نهائيا " (5) . "وأما النتائج فقد شهدت نهايات القرن التاسع عشر أكثرها وأخطرها ممثلاً بصفة أساسية في سقوط الشريعة، وعلمنة الدولة، وبروز التيار القومي الوطني" (6) .
وقد حمل الأوربيون عبر قرون الصراع مع المسلمين حقدًا دفينـًا على الإسلام وأهله، فلما تبنى الأوروبيون الفكر العلماني المادي المعادي للدين عامة؛ زاد حقدهم على الإسلام كدين، وما زال الغرب يرى في الإسلام والمسلمين العدو الذي لا تنتهي عداوتهم له.
يقول "الأستاذ شحاتة عيسى إبراهيم" في كتابه "القاهرة ص"268- 271" : "لم تصب مباني القاهرة ومساجدها في أي عهد بما أصيبت به على يد الفرنسيين من هدم وتخريب، هؤلاء القوم لم يراعوا لدور العبادة والمساجد حرمة أو كرامة رغم تظاهرهم باحترام الدين وشعائر الإسلام وقت غزوهم مصر، ولم يكن لهم هم سوى إخضاع المصريين لحكمهم بكل ما أوتوا من قوة وبطش، خصوصًا عندما تشتد بهم الأزمات" (7) .
"لذلك حولوا المساجد ودور العبادة والقصور إلى حصون وقلاع يقذفون منها المصريين بالحمم والقذائف عند ثوراتهم في أثناء هجومهم على الأحياء الثائرة، بل إنهم حولوا المساجد الجامعة كـ"الأزهر" و"جامع الظاهر" إلى ثكنات تأوي إليها جنودهم وخيولهم غير آبهين لشعور المسلمين عامة، وشعور المصريين بصفة خاصة، ولقد وصف الجبرتي "جامع الظاهر" بعد أن حوله الفرنسيون إلى قلعة، فقال: وجعلوا "جامع الظاهر بيبرس" خارج "الحسينية" قلعة، ومنارته برجًا، ووضعوا على أسواره مدافع، وأسكنوا به جماعة من العسكر، وبنوا في داخله عدة مساكن تسكنها العسكر المقيمة به" (8) .
ويقول: "ومن المساجد التي هدموها المساجد المجاورة لـ"قنطرة إمبابة" ومسجد "المقس"، المعروف الآن بـ"جامع أولاد عنان"، و"جامع الكازروني" بالروضة، والجامع المجاور لـ"قنطرة الدكة" غربي "الأزبكية"، وهكذا كان المصريون كلما قاموا بالثورة في وجوه الفرنسيين؛ أمعن هؤلاء في هدم المساجد والدور، ونهبوا الحوانيت، واستولوا على كل ما تحتويه من بضائع ونفائس، ثم هدموا مساطبها، وقطعوا الأشجار من البساتين واستولوا على أخشابها؛ ليستعملوها في بناء الاستحكامات والقلاع" (9) .