رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (2-5)
الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان
"ومن العمارات التي هدموها "جامع جانبلاط" بـ"باب النصر"، ومباني "رأس الصوة"، بالميدان الموجود بين "جامع السلطان حسن" و"القلعة"، حيث باب "العزب"، وهدموا أعالي "المدرسة النظامية"، ومدرسة "القانيبية"، أو مسجد "قانبياي"، الموجود على رأس "درب السماكين"، و"جامع الجركسي"، و"جامع خوند بركة"، خارج "باب البرقية"، وهو بـ"قرافة المجاورين"، بقرب شارع "السلطان أحمد"، وكذلك أبنية "القرافة" ومدارسها ومساجدها، والقباب والمدافن الكائنة تحت "القلعة"، و"جامع الرويحي"، وقد جعلوه خمارة، وجزءًا من "جامع عثمان كتخدا القزدوغلي"، بالقرب من "بركة رصيف الخشاب"، و"جامع خير بك حديد" بـ"درب الحمام" بالقرب من "بركة الفيل" و"جامع البنهاوي" و"الدخطوطي" و"العدوي"، و"جامع عبد الرحمن كتخدا" المقابل لـ"باب الفتوح"، ولم يبق منه إلا بعض الجدران" (10) .
حدث هذا وغيره كثير بينما يتشدق الكثيرون من مدعي الثقافة بما بشرت به "الثورة الفرنسية" من مبادئ، ويتغنون بما حملته من دعوة إلى المساواة والإخاء والحرية، ويتناسون أن هذه الشعارات البراقة لا يحملها معه هؤلاء الأوربيون ولا يطبقونها، مع ما في تطبيقها بفهمهم وهواهم من مؤاخذات إلا على أنفسهم، أما على الشعوب الأخرى فلا يعرفون إلا القتل وسفك الدماء واستباحة الأعراض، والإذلال والقهر والاستعباد، والاستيلاء على الخيرات والنزوات؛ إذ هم الجنس الأرفع وما سواهم عبيد لديهم، ودون منزلتهم ودرجتهم.
وقد جاءت الحملة الفرنسية إلى "مصر" في أعقاب "الثورة الفرنسية" بمبادئها المعلنة، فاحتلت "مصر"، فأذاقت شعبها مرارة القهر، وأخضعتهم بالقوة والقسوة لسلطانها، وصادرت حقهم في المقاومة للاحتلال، أو الدفاع عن أرواحهم وأعراضهم المستباحة، وما نراه اليوم من إذلال الشعوب المسلمة وقهرها في "الشيشان"، و"كوسوفو"، و"البوسنة"، و"أفغانستان"، و"العراق"، وغيرها ما هو إلا صورة مكررة مما قام به الفرنسيون في ظل حملتهم الجائرة على "مصر" أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، خاصة في عهد كبيرهم "كليبر" الذي تولى قيادة الحملة بعد رحيل "نابليون" إلى "فرنسا".
وكان العثمانيون بعد فتح "مصر" قد تركوا للمماليك القيام بأمرها والدفاع عنها في إطار السياسة التي وضعوها لحكم الولايات التابعة لهم؛ فلما انهزم "المماليك" أمام قوات "نابليون" أخذ المصريون في مناهضة الفرنسيين بأنفسهم، فكانت "ثورة القاهرة الأولى" دفاعًا عن الأرض والعرض، وذلك في أكتوبر 1798م، وكان الفرنسيين قد دخلوا "الإسكندرية" في يوليو 1798م، وقد أشعل حماسهم تحطيم الإنجليز للأسطول الفرنسي في معركة "أبي قير البحرية".
فنصب "نابليون" مدافعه على "جبل المقطم"، وأمطر أهل "القاهرة" بنيران مدافعه حتى قضى على مقاومتهم، فلما استتب له الأمر؛ أذاق أهل "القاهرة" ألوان العذاب، ودخل الفرنسيون بخيولهم "الجامع الأزهر"؛ إمعانـًا في إذلال المصريين.
ولما رحل "نابليون" إلى "فرنسا" لمواجهة تألب بعض الدول الأوروبية على بلاده، خلفه "كليبر"، وانتهز أهل القاهرة اشتباك كليبر مع القوات التركية في عين شمس فقاموا بثورتهم الثانية في مارس 1800م، رغبة في التخلص من الغزاة الفرنسيين، وأبلوا في قتالهم بلاءً حسنا في حدود قدراتهم، وواجهوا الجنود الفرنسيين في قلاعهم الحصينة، ومعسكر قياداتهم بالأزبكية، فقتلوا من الفرنسيين عددًا كبيرًا رغم أن مدافع الفرنسيين كانت تحصدهم حصدًا، وقام الفرنسيون بقصف "القاهرة" بالمدافع خاصة الأحياء الثائرة.
ولما عاد "كليبر" من معركة "عين شمس" قام بتطويق "القاهرة" من كل جهاتها، وأضرم فيها النيران في الأحياء المليئة بالسكان، فأحرق أحياء برمتها، وهدم بيوتها على من فيها.
يقول "الأستاذ شحاتة عيسى إبراهيم" في كتابه "القاهرة ص266" (11) : "ولم يصب حيًّا من أحياء "القاهرة" بمثل ما أصاب حي "بولاق"، فقد جلـَّت نكبته عن كل وصف، وارتكب فيه الفرنسيون من الفظائع والمنكرات ما يشيب من هوله الولدان، ولا يرتكبه سوى البرابرة المتوحشين الأنذال" (12) .
وقد نقل عن "الجبرتي" وصفه لما نزل بأهل "القاهرة" من أهوال ومصائب فقال: "واستمر الحال على ما هو عليه من اشتعال نيران الحرب، وشدة البلاء والكرب، ووقوع القنابل على الدور والمساكن من القلاع، والهدم والحرق، وصراخ النساء من البيوت، والصغار من الخوف والجزع والهلع، مع القحط وفقد المآكل والمشارب، وغلق الحوانيت والطوابين والمخابز، ووقوف حال الناس من البيع والشراء، وتفليس الناس، وعدم وجدان ما ينفقونه إذا وجدوا شيئًا، واستمر ضرب المدافع والقناير، والبنادق، والنيران ليلاً ونهارًا حتى كان الناس لا يهنأ لهم نوم ولا راحة ولا جلوس لحظة واحدة من الزمن، ومقامهم -دائمًا أبدًا- بالأزقة والأسواق، وكأن على رؤوس الجميع الطير، وأما النساء والصبيان فمقامهم بأسفل الحواصل والعقودات تحت طباق الأبنية إلى غير ذلك" (13) .
أما عن أهل حي "بولاق" فيقول "الجبرتي": "هجموا على "بولاق" من ناحية البحر -النيل-، ومن ناحية بوابة "أبي العلاء"، وقاتل أهل "بولاق" جهدهم، ورموا بأنفسهم في النيران، حتى غلب الفرنسيون عليهم وحصروهم من كل جهة، وقتلوا منهم بالحرق والقتل، وبلوا بالنهب والسلب، وملكوا "بولاق"، وفعلوا بأهلها ما تشيب من هوله النواصي، وصارت القتلى مطروحة في الطرقات والأزقة، واحترقت الأبنية والدور والقصور، وخصوصًا البيوت والرباع المطلة على البحر، وكذلك الأطارف، وهرب كثير من الناس عندما أيقنوا بالغلبة، فنجوا بأنفسهم إلى الجهة القبلية، ثم أحاط الفرنسيس بالبلد، ومنعوا من يخرج منها، واستولوا على الخانات، والوكائل، والحواصل، والودائع، والبضائع، وملكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال، والنساء والخوندات، والصبيان والبنات، ومخازن الغلال والسكر، والكتان والقطن والأبازير والأرز، والأدهان والأصناف العطرية، وما لا تسعه السطور، ولا يحيط به كتاب ولا منشور" (14) .