رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (2-5)
الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان
وفاوض العلماء "كليبر" في الصلح حقنـًا للدماء، فتم الاتفاق بعد قتال دام شهرًا كاملاً، وفرض "كليبر" على سكان "القاهرة" غرامة مالية قدرها اثنا عشر مليونـًا فرنك نصفها نقدًا ونصفها عروضًا، وتسليم عشرين ألف بندقية، وعشرة آلاف سيف، وعشرين ألف طبنجة، وبالغ الفرنسيس في التعسف في تحصيل تلك الغرامة.
وقد ارتفعت الروح المعنوية للجنود الفرنسيين بالقضاء على ثورة "القاهرة"، وإخضاع أهلها وقهرهم، ومن قبل انتصارهم على الأتراك في معركة "عين شمس"، وفي غمرة ما هم فيه باغتهم "سليمان الحلبي" -رحمه الله- بقتل طاغيتهم "كليبر"؛ انتقامًا لما اقترفه في حق المصريين.
و"سليمان الحلبي" -رحمه الله- طالب علم من "سوريا"، جاء إلى "مصر"؛ ليدرس في "الجامع الأزهر"، وساءه ما يراه من الفرنسيين، وهاله ما تعرض له أهل القاهرة على يد "كليبر" الطاغية وجنوده، فعزم على قتله، وبيـَّت النية على ذلك، وفي يوم 14 يونيو 1800م تسلل إليه وقد أخفى سلاحه وباغته بطعنة من خنجره أردته قتيلاً، فقبض عليه وقدم للمحاكمة.
والبعض يثني على محاكمة الفرنسيين لسليمان الحلبي، وأنهم لم يؤاخذوه على فعله بدون محاكمة توجه إليه التهمة وتسمع أقواله كما كان يقع في تلك الأزمان! وفاتهم أنها محاكمة صورية ظاهرها طلب العدالة مع المتهم، وباطنها الظلم البين؛ فالقضاة هم الخصوم، وقد صادروا حق الحلبي في الدفاع عن أرضه وأهله، واعتبروا المجرم السفاح مجنيًّا عليه مظلومًا يـُقتص له، وجاء حكمهم فيه يدل على الرغبة في التشفي منه؛ إذ اختاروا له عقوبة ليست من عقوباتهم المعتادة، فحكموا بحرق يده التي قتل بها "كليبر" وهو حي، ثم قتله على الخازوق وتركه جثته طعامًا للطيور الجارحة.
يقول "الجبرتي": "وأفتوا أن سليمان الحلبي تحرق يده اليمنى، وبعده يتخوزق ويبقى على الخازوق لحين تأكل رمته الطيور" (15) .
يقول دكتور "مصطفى عبد الغني" في كتابه: "حقيقة الغرب بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية" ط. القراءة للجميع ص(12): "وفي الساحة التي تم فيها حرق يده وتثبيته في الخازوق وقف ضابط فرنسي كان شاهد عيان على ما حدث، وقال بالحرف الواحد، مما هو مسجل في الوثائق الفرنسية عن سليمان الحلبي: بُطح أرضًا، وشُق شرجه، وأدخل فيه الخازوق، وربطوا ساقيه وفخذيه ويديه وجسمه... ودفع الخازوق... وهو ثابت" (16) .
وجاء في جريدة "الحملة الفرنسية" في "مصر" العدد (71): "لقد اختارت اللجنة بالإجماع نوعًا من العذاب يستخدم في البلاد بالنسبة للمجرمين الكبار، ويناسب فداحة الجرم، ولهذا؛ فقد حكمت على سليمان الحلبي بأن يحرق معصم يده اليمنى، ثم يغرس في مؤخرته وتد؛ ليخترق أمعاءه، ثم يترك وحيدًا وبه الوتد إلى أن تأتي الغربان والطيور الجارحة؛ لتنهش جسده" (17) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع "جذور العلمانية"، د. السيد أحمد فرج.
(2) "حقيقة الغرب بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية" د. مصطفى عبد الغني. ط. مكتبة الأسرة الهيئة المصرية العامة للكتاب: ص(31).
(3) "تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر: بحث في بدايات التوجه الغربي"، عبد الجواد يس -قاضي سابق-. ط. المختار الإسلامي حماه.
(4) المصدر السابق وانظر: الرافعي "تاريخ الحركة القومية" ج1 دار المعارف: ص29.
(5) المصدر السابق ص(37).
(6) المصدر السابق ص(37).
(7) "القاهرة": شحاتة عيسى إبراهيم. ط. القراءة للجميع الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(8) المصدر السابق: ص(269).
(9) المصدر السابق: ص(270).
(10) المصدر السابق: ص (270- 271).
(11) ط. القراءة للجميع. الهيئة المصرية للكتاب.
(12) المصدر السابق: ص(266).
(13) المصدر السابق: ص(265- 266).
(14) المصدر السابق: ص(266).
(15) "حقيقة الغرب بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية" د. مصطفى عبد الغني. ط. القراءة للجميع، الهيئة المصرية العامة للكتاب: ص(33).
(16) المصدر السابق: ص(12).
(17) المصدر السابق: ص(32).