شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (3-5)

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم تكن "الحملة الفرنسية" على "مصر" -رغم تأثرها بشعارات "الثورة الفرنسية"- من أجل الأخذ بيد المصريين إلى العلم والتقدم والرقي كما يزعم المستغربون، ولكنها كانت حلقة من حلقات الاستعمار الأوروبي لشعوب الشرق؛ لإخضاعها وإذلالها، والاستيلاء على ثرواتها ونهب خيراتها، إنها حملة "توسع استعماري جديد يعوض "فرنسا" ما فقدته من مستعمرات في "أمريكا الشمالية" و"الهند" من ناحية، وللإضرار بالمصالح البريطانية من ناحية ثانية؛ إذ أرادت أن تجعل من "مصر" قاعدة لتهديد بريطانيا في "الهند" وتحويل التجارة الشرقية إلى طريق "مصر" (1) .

لقد جاء "نابليون" إلى "مصر"؛ ليعيث فيها علوًا وفسادًا، مبدأه: "الغاية تبرر الوسيلة"، وغايته: إقامة إمبراطورية، وصنع المجد العظيم لنفسه وبلده ولو بالخداع والنفاق، ولو بالقتل وسفك الدماء، وهتك الأعراض.

فأين هذا من المناداة بالتقدم والتحضر والرقي، والمساواة والإخاء التي يتغنون بها، وهم يرون أنهم الجنس الأعلى دون غيرهم؟!

"ومراجعة الحقبة التي سبقت هبوط "نابليون" بحملته على "الإسكندرية" في 2 يوليو 1798م ترينا أن عددًا كبيرًا من الكُتـَّاب، والرحالة، والقناصلة، والسياسيين، منهم: "سانت بريست، وجان بابتيست، ومورودي توت، وسفاري، وفولني... الخ"، كتبوا إلى حكومتهم الفرنسية لاستعمار "مصر" صراحة، فقد ظل هؤلاء وهم يشيرون إلى ضياع عديد من المستعمرات الفرنسية في جزر "الهند" الغربية، ويلحون كثيرًا على أن "مصر" -و"مصر" بوجه خاص- هي الميدان الذي تستطيع "فرنسا" أن تجد فيه حاجاتها التي كانت تستمدها من جزر "الانتيل" (2) ؛ إذ أن احتلال مصر "تجعل التجارة بين "فرنسا" وبقية أقطار الشرق في متناول اليد بدلاً من المشكلات التي تعانيها "فرنسا" في غيبة وضع يدها على هذه البلاد، بل أكد بريست صراحة -وهو سفير "فرنسا" في "القسطنطينية"- على أن الاستيلاء على "مصر" أمر لا مفر منه لخدمة المصالح الفرنسية" (3) .

"إن الغرب جاء إلينا في نهاية القرن الثامن عشر كمستعمر، أرسلت "الثورة الفرنسية" -عصر التنوير- من يبحث لها عن أسواق جديدة، ومستعمرات غنية، ومجدًا مهيبًا تواجه به ما ضاع أثناء صراعها مع الإنجليز" (4) ، "وتعتبر هذه المحاولة أول غزو عسكري أوروبي في التاريخ الحديث لبلد عربي إسلامي من بلاد "الدولة العثمانية"، ولكن هذا الغزو سبقته سيطرة الدول الاستعمارية الكبرى: "بريطانيا"، و"فرنسا"، و"هولندا" على دول وإمارات إسلامية في أواسط "آسيا"، و"جزر الهند" الشرقية، و"الهند"، غير أن هذه السيطرة المبكرة لم تمس قلب العروبة كما فعلت حملة الجنرال بونابرت على "مصر" (5) .

"إن "الحملة الفرنسية" ليست أكثر من حملة صليبية ثامنة "سبقتها "الحملات الصليبية" المعروفة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر" (6) ، وقبل قدوم "الحملة الفرنسية" إلى "مصر" تقدم الوزير "تاليران" لحكومة الإدارة الفرنسية بمشروع غزو "مصر" بعبارة لا تخلو من معنى: "كانت مصر مقاطعة في الجمهورية الرومانية؛ فيجب أن تصبح للجمهورية الفرنسية" (7) .

لقد جاءت "الحملة الفرنسية" بعلمائها ومطبعتها إلى جانب جنودها وضباطها؛ ليتسنى لها أن تدرس "مصر" وشعبها دراسة تخدم وجودها وبقاءها في مصر، وتكوين إمبراطورية لها بها، فهي امتداد لجهود المستشرقين الفرنسيين والأوروبيين في بلادنا، وكانت المطبعة من أجل إصدار المنشورات والبيانات الموجهة للمصريين بحسب ما تقتضيه أحوال الحملة، ولهذا كان في أوائل منشورات "نابليون" التي ينافق فيها المصريين لخدعهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له، ولا شريك له في ملكه" (8) ، ثم يقول: "يا أيها المصريون قد قيل لكم أنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح لا تصدقوه، وقولوا للمغتربين: إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله -سبحانه وتعالى-، وأحترم نبيه، والقرآن الكريم" (9) ، ويقول في كذب وغش: "قولوا لأمتكم: إن الفرنساوية هم -أيضًا- مسلمون مخلصون"، وفي النص الفرنسي: "محبون للمسلمين المخلصين" (10) .

وعن طريق المطبعة كانت مخاطبات قواد الحملة للشعب المصري بما يريدونه منهم أو يهددونهم به.

ولقد كتب علماء "الحملة الفرنسية" كتابهم "وصف مصر"، "ومراجعة كتاب "وصف مصر" يرينا أنه كان في الأصل دراسات وتقارير، ومذكرات وأوراق؛ كان الهدف من كتابتها أول مرة الإفادة من المعلومات التي تقدم من أجل استقرار الفرنسيين في مصر"، "والكتاب نفسه يصف "القاهرة" في السنوات الثلاثة التي قضتها الحملة في مصر"، ويشير المهندس الفرنسي "جومار" (11) ، إلى هذا الغرض في مقدمته في جزء الدولة الحديثة من هذا الكتاب، "ومهما يكن من الجهد الذي قام به جومار من وصف طبوغرافي وخريطة تفصيلية... وما إلى ذلك؛ فإن الهدف الرئيسي يظل التعرف أكثر على "القاهرة"؛ ليستطيع الفرنسيون السيطرة عليها" (12) .

أما "نابليون" فبعد فشل حملته وعودته إلى "فرنسا"، ورغم كل ما اقترفه من قتل وسفك دماء، وتدمير وإذلال لشعب مصر، لم يمنعه أي حياء أن يطلب من المقربين من فناني فرنسا أن يرسموا له لوحات تعبر -زورًا وبهتانـًا- عن أمجاده ودوره الحضاري في معاملة شعب "مصر"، وتصوير خضوعهم له وانقيادهم له، "مما أدى إلى تصوير حملته الشرقية على أنها أسطورة انتصار وفخار في الفن التشكيلي الفرنسي" (13) ، مع "أن اللوحات التي رسمت عن "بونابرت" في "مصر" كانت لفنانين لم يأتوا إلى "مصر" (14) !

فـ"لوحة "بونابرت" يزور مرضى الطاعون في "يافا" رسمت عام 1804م؛ لتنفي وحشية "بونابرت" والمجازر التي ارتكبها في غزوه للشام، وفي لوحة أخرى عن "ثورة القاهرة الأولى" نجد الفرنسيين المحاربين في لبسهم، ووسامتهم، وبشجاعة يقاتلون المصريين الذين بدوا في صورة وحوش معتدين، وكأنهم من عرايا الزنوج!

الصفحة التالية