شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (4-5)

الشيخ علاء بكر • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيزعم العلمانيون أن "مصر" كانت في سبات عميق، وجهل وتخلف، وتأخر كبير قبل مجيء "الحملة الفرنسية" إلى "مصر"، وأن هذه الحملة هي التي أيقظت "مصر" من سباتها، وحرَّكـَتها ودفعتها؛ لتبدأ في الأخذ بأسباب العلم والتقدم والتحضر، فهل هذا التصور هو الحقيقة أم أنه ما يريد أن نظنه هؤلاء العلمانيون حتى نرى في العدوان العسكري الفرنسي الفضل علينا، ونتغاضى عن الشناعات التي ارتكبها "نابليون" وقواده وجنوده، والتي لا يقترفها إلا من عدم العلم والمعرفة والتحضر والقيم، ولا يتغاضى عنها إلا من طـُمس على عقله، وأراد من المجني عليه أن يثني على المجرم الجاني، ويطلب من الضحية أن تشكر من يجزرها ويذبحها بيديه؟!

ولننظر بموضوعية لبعض الجوانب عن "مصر" قبل مجيء "الحملة الفرنسية" إليها:

ففي الوقت الذي كان الرحالة الفرنسيون يستحثون حكومتهم على غزو "مصر"، ويهونون من شأنها لإدارتهم؛ لأغراض استعمارية كان هناك رحالة آخرون زاروا "مصر" وكتبوا عنها، وعما وجدوه فيها بصورة محايدة، فمن هؤلاء الرحالة الألماني "كارستن نيبور"، وهو رحالة شهير، عرف بالنزاهة، وبعده عن الأغراض الاستعمارية على العكس من الرحالة الفرنسيين (1) .

قـَدِمَ الرحالة الألماني "نيبور" قبل مجيء "الحملة الفرنسية" بربع قرن (2) ، فـ "لم يجد مجتمعًا نائمًا، بل وجد مجتمعًا منعمًا بالحياة والحيوية" (3) .

فيقول "نيبور" عن الزارعة في "مصر": "إن الآلات التي تستخدم في ري الأرض بعد انحسار الفيضان هي أجدر الآلات المصرية بالملاحظة والإعجاب، وللمصريين وسائل مختلفة لري الأرض، وإن الحدائق المصرية تمتلئ بكثير من القنوات تـُمكِّن الزارع من ريـِّها جزءً بعد جزء، وقد نـُظِمت القنوات بين مزروعات الحدائق تنظيمًا فنيًّا جميلاً بحيث يبدو تخطيط الحديقة على هيئة مسالك متشابكة يتنزه بين جنباتها الناس، كما جاء عن صناعة النشادر، وربما كان من الممكن صناعة النشادر في "أوروبا" بالطريقة الجيدة الرخيصة المعروفة في "مصر".

كما يبدي "نيبور" انبهاره بمصانع التفريخ بوصفها اختراعًا مصريًّا، وعن الاستيراد والتصدير جاء أن الجلد الخام يعتبر من أهم البضائع التي تصدرها "مصر"، وتقدَّر كمية المُصدَّر منه سنويًا بـ "70" أو "80" ألف قطعة، تصل إلى "مرسيليا" منها 10.000 قطعة من جلود الجاموس الجيدة، تستورد "إيطاليا" كمية أكبر بكثير.

أما "الزعفران والتبل والقطن" (4) ، فيقول عن ذلك: "فيتراوح مقدار ما يجنونه عادة من هذه الزهرة -الزعفران- ما يزن "5" أو "18" ألف قنطار يذهب أغلبه أو أفضله إلى "مرسيليا" و"ليفورنيو". وتجارة التبل في "مصر" تجارة عظيمة جدًّا، ويجري تصديره من "مصر" إلى بلاد "البربر"، و"مرسيليا"، و"ليفورنيو"، و"تركيا"، و"سوريا"، و"اليمن"، ومنه أنواع مختلفة. ويصدر أكثر القطن الذي لا تستهلكه البلاد إلى "مرسيليا" و"ليفورنيو".

وحين يصل إلى تجارة "الترانزيت" يؤكد أنه تأتي كل عام في شهور إبريل ويونيو عدة قوافل من "إفريقيا" محملة بثلاثة أنواع من الصمغ، وبسن الفيل، والتمر الهندي، والببغاوات، وتراب الذهب، وتعود القوافل محملة بالخرز، والمرجان، والكهرمان، والسيوف، ومختلف الثياب التي يعدها المصريون مناسبة لذوق هؤلاء الأفارقة، أما عن ثياب النساء فإنه لابد للإنسان من أن يعترف بأن ثياب الشرقيات أفخر بكثير من ثياب الأوروبيات" (5) .

وتوضح د. نيللي حنا في كتابها "تجارة القاهرة في العصر العثماني": "إن ظاهرة البيوت التجارية العائلية المشتغلة بالتجارة الدولية كانت معروفة تمامًا" (6) ، و"يتنقلون في شبكات تجارية امتدت إلى "آسيا" وسواحل "البحر الأحمر" فـ"إفريقيا" مما يشير إلى عظم التأثير التجاري الذي كان يمكن أن يمثل امتداده الطبيعي تطورًا إيجابيًّا" (7) .

و"كانت تصدر نسبة كبيرة من البضائع التي يجلبها من "الهند" إلى بعض مواني "الدولة العثمانية" و"أوروبا" عن طريق "الإسكندرية" و"رشيد" و"دمياط" (8) . "بل تشير الوثائق أنه كان للتجار الشرقيين جاليات بـ"البندقية"، و"فيرارة"، و"انكونا"، و"بيزا"، و"نابلي" بما يعني أن المجال الجغرافي كان متسعًا" (9) .

كما "أن التجار كانوا يتجهون إلى تسجيل معاملاتهم كتابة وتوثيقها بالمحاكم، وبوجه عام فإن النظام التجاري كان يتسم بالضخامة والتوسع، والمرونة إلى حد بعيد" (10) ، "ولقد كانت "مصر" تمضي في تطورها الطبيعي بعيدًا عن رأسمالية الغرب المتربصة" (11) ، و"بعيدًا عن المد الغربي الصاعد" (12) ، "لقد كان بوسع "مصر" أن تصنع نهضة تقوم على الهوية والوعي -بالذات في الإطار العام- لولا أن جاءت "الحملة الفرنسية" فسعت إلى إجهاض هذه النهضة" (13) .

"ويلاحظ أن زراعة السكر للتوريد وصلت إلى درجة بعيدة، ثم امتداد تلك الظاهرة إلى القطن والكتان، كذلك كانت المنسوجات المصرية تـُصدَّر بكميات كبير إلى "الأناضول" و"أوروبا". وحتى منتصف القرن الثامن عشر كانت مصر تصدر كميات كبيرة من التبل إلى فرنسا حيث كانت توزع هناك في البلاد الأوروبية الأخرى" (14) .

ولقد برهن على هذا التطور التجاري بيتر جران في كتابه عن "الجذور الإسلامية للرأسمالية في مصر" في تلك الفترة، ومكسيم رودنسون في كتابه عن "الإسلام والرأسمالية" (15) .

أما التعليم: فإن "أهم صور التعليم كانت "الكتاتيب" التي كانت منتشرة بشكل واسع قبل قدوم "الحملة الفرنسية" إلى "مصر"، وهو ما يجعل هذه المناطق للتعليم متاحة لأكبر عدد من الأولاد الصغار حيث كانوا يقصدونها؛ لتعليم القراءة والكتابة والحساب" (16) .

ويذكر "الجبرتي" -رحمه الله- في "تاريخه": "إنه كانت هناك مدرسة في "علم الفلك" وعلى رأسها: "رضوان أفندي" الفلكي "171م"، وقد أخذ على يديه أغلب المشتغلين بالفلك في "مصر" في القرن الثامن عشر".

الصفحة التالية